شبكة قدس الإخبارية - 9/21/2026 7:40:55 PM - GMT (+2 )
خاص شبكة قدس : في الرأس الأحمر بالأغوار الشمالية، يبدأ النهار بسؤال بسيط، لكنه لم يعد سهل الإجابة: من أين يأتي الماء؟
منذ نحو ثلاثة أشهر، أخذ الحصار على المنطقة يشتد تدريجيًا، لكنه بلغ مرحلة أكثر قسوة قبل سبعة أيام، حين حفر الجيش الإسرائيلي خندقًا عند آخر منفذ متبقٍ إليها. منذ ذلك الوقت، وجد السكان أنفسهم معزولين عن محيطهم؛ لا طريق للخروج، ولا مجال لإدخال ما تحتاجه العائلات والمواشي.
لطفي بني عودة، أحد سكان المنطقة ومربي الثروة الحيوانية، يقول إن آثار الإغلاق وصلت إلى كل تفاصيل الحياة، من حظائر الأغنام إلى مدارس الأطفال.
يقول: “نعيش في حصار خانق، لا دخول ولا خروج. المياه مقطوعة عنا، والأعلاف لا تصل إلى الأغنام، وأطفالنا لم يتمكنوا من الذهاب إلى المدارس، وحتى المواد الغذائية أصبح من الصعب إدخالها إلى العائلات”.
في حظائر المنطقة، تتجمع الأغنام حول ما يتوفر من الماء، بينما ينتظر أصحابها وصول الأعلاف. ويقدر لطفي وجود نحو 15 ألف رأس من الأغنام في الرأس الأحمر، تعيش في ظروف قاسية منذ انقطاع المياه وصعوبة إدخال الغذاء إليها.
ولا يستطيع المربون، بحسب إفادته، الاستعانة بالطبيب البيطري عند الحاجة؛ فالطريق المغلق يمنع وصوله إلى المنطقة، فيما ظهرت مشكلات صحية لدى بعض مواليد الأغنام، بينها حالات إسهال، من دون أن يتمكن أصحابها من الحصول على الرعاية البيطرية اللازمة.
لكن الحصار لا يتوقف عند حدود المواشي. فالطفل الذي اعتاد أن يحمل حقيبته صباحًا بات عاجزًا عن الوصول إلى مدرسته، والمريض الذي يحتاج إلى عيادة أو مستشفى أصبح وصوله إلى العلاج مرتبطًا بفتح الطريق.
حتى تأمين الطعام للعائلات أصبح مهمة شاقة. فالسكان لا يستطيعون الوصول بسهولة إلى القرى المجاورة لشراء احتياجاتهم، ولا تستطيع المركبات الدخول إليهم كما كانت في السابق.
أرض بلا مراعي
وتأتي هذه الأزمة في منطقة ترتبط حياة سكانها بالأرض ارتباطًا مباشرًا. فمربو المواشي يعتمدون على المراعي، فيما يعتمد المزارعون على المياه للوصول بمحاصيلهم إلى نهاية الموسم.
وبحسب المعطيات الواردة من المنطقة، كانت نحو 360 ألف دونم تستخدم مراعي لمربي الثروة الحيوانية، فيما أصبح الوصول إلى نحو 90% منها محظورًا أو متعذرًا. ومع تقلص مساحات الرعي، ازدادت حاجة المربين إلى الأعلاف، في وقت أصبح وصولها إلى المنطقة صعبًا.
وبذلك اجتمع على المربي عبء فقدان المراعي مع صعوبة تأمين الأعلاف والمياه، لتصبح تربية الأغنام نفسها مهددة، وهي مصدر رزق أساسي لعائلات في المنطقة.
والزراعة عطشى أيضًا
على الجانب الآخر، يراقب المزارعون أراضيهم وهي تفقد قدرتها على الإنتاج. يتحدث لطفي عن محاصيل العنب والبندورة والفلفل التي تضررت نتيجة نقص المياه، وعن خسائر كبيرة لحقت بالمزارعين.
كانت سهول المنطقة جزءًا من النشاط الزراعي الذي تعتمد عليه مناطق واسعة في الضفة، أما اليوم، فيصفها السكان بأنها تتجه نحو الجفاف مع استمرار شح المياه وصعوبة الوصول إلى الأراضي.
ولا يرى لطفي أن الخسارة تقف عند موسم زراعي أو عدد من رؤوس الأغنام، بل يخشى من آثار أطول إذا استمر الوضع على حاله، قائلًا إن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تراجع الزراعة والثروة الحيوانية بصورة كبيرة.
وبين الخندق والطريق المغلق، لا يجد سكان الرأس الأحمر مساحة كافية لتدبير حياتهم كما اعتادوا. الماء لا يصل، الأعلاف تتعثر، الأطفال يغيبون عن مدارسهم، والمرضى يجدون أنفسهم أمام طريق مغلق، فيما تبقى الأرض والمواشي معلقتين بقدرة السكان على الوصول إليهما.
لهذا يوجه لطفي مناشدته إلى المؤسسات الحقوقية والإنسانية، مطالبًا بالتدخل لتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان، وفي مقدمتها مياه الشرب، ومياه المواشي والأعلاف، وضمان وصول المرضى والأطفال والإمدادات إلى المنطقة.
في الرأس الأحمر، لا يطلب السكان أكثر من أن يعود الطريق مفتوحًا بما يكفي كي يصل الماء إلى عطاشى الحظائر، والطعام إلى البيوت، والأطفال إلى مدارسهم، والمرضى إلى أطبائهم، قبل أن يتحول الحصار الطويل إلى خسارة تمس الإنسان والأرض معًا.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


