شبكة راية الإعلامية - 9/22/2026 10:53:27 AM - GMT (+2 )
الكاتب: د. سعيد صبري
يشكل الشباب الفلسطينيون بين 18 و29 عامًا نحو 1.2 مليون شاب وشابة، أي ما يقارب 21% من السكان بحسب الجهاز المركزي للإحصاء. وفي 2025 بلغت البطالة بين الشباب المشاركين بالقوى العاملة نحو 37.3% بالضفة و85.5% بغزة. وبالتوازي، تراجع عدد العاملين من الضفة في إسرائيل والمستوطنات من نحو 177 ألفًا قبيل أكتوبر 2023 إلى نحو 53 ألفًا فقط بالربع الثاني من 2026، أي تراجع بنحو 124 ألفًا، ليس جميعهم بالضرورة من قطاع الإنشاءات، لكن جزءًا معتبرًا منهم يحمل مهارات قابلة للتوجيه نحوه. هذه الأرقام تصف فائضًا بشريًا حقيقيًا وقابلًا للتوجيه، لا عبئًا يُدار بالمساعدات المؤقتة وحدها.
الفكرة: تطوير عقاري أفقي موزّع، لا مركّز
المقترح محدد: نموذج تطوير وتمويل عقاري موجّه لمحدودي ومتوسطي الدخل، يعتمد على أراضٍ حكومية وأخرى تابعة لوزارة الأوقاف موزعة على مختلف المحافظات، لا مركّزة بمدينة واحدة. هذا التوزيع يخدم هدفين متزامنين: خلق فرص عمل بقطاع الإنشاءات لشباب كل محافظة داخلها، وتوفير مساكن بكلفة معقولة لفئات لم تعد قادرة على منافسة أسعار السوق.
سابقة موثقة أكثر مما يبدو، وأهم مما ننتظره
يستحق التذكير بتجربة "الأمل"، التي وُقّع اتفاقها رسميًا في 14 أبريل 2008 بمشاركة صندوق الاستثمار الفلسطيني، وأوبيك الأمريكية، ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، وبنك فلسطين. استهدف البرنامج الأوسع 30 ألف وحدة باستثمارات مقدرة بملياري دولار، فيما بلغت الالتزامات التمويلية المخطط لها لبرنامج "الأمل" نحو 485 مليون دولار، مع تمويل عقاري طويل الأجل.
لكن الأهم ليس توقف المشروع لأسباب سياسية غامضة، بل ما وثقه مكتب المحاسبة الأمريكي: بحلول أبريل 2013، كانت أوبيك والصندوق قد التزما بالتمويل، لكن لم يُصرف بعد. هذا يحوّل السؤال من "فكرة فشلت سياسيًا" إلى: لماذا لم يتحول هيكل بهذا الحجم، رغم الالتزامات الموقعة، إلى سوق رهن واسع؟ وما الذي يجب تصميمه بصورة مختلفة هذه المرة؟
التمويل: أدوات متعددة لجمهورين مختلفين، لا صندوق واحد
هنا يستحق تصحيح افتراض شائع: التسهيل الأوروبي بقيمة 400 مليون يورو، الذي بدأ تنفيذه يونيو الماضي عبر خمسة بنوك، مخصص حصريًا، بحسب سلطة النقد، لتمويل الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، لا لقروض شراء المساكن. فلا يصح افتراض تحويل جزء منه لرهون أسرية. لكن يمكن أن يخدم جانب العرض إذا استوفت الشركات العاملة بالمشروع شروط البرنامج: شركات المقاولات، وموردو مواد البناء، والصناعات الإنشائية، والخدمات الهندسية. أما تمويل الأسر المشترية فيحتاج نافذة عقارية مستقلة.
يتشكل النموذج المالي من أربعة مكونات: تمويل أوروبي لسلسلة البناء، صندوق رهن عقاري مستقل للأسر، أرض عامة ووقفية تُخفض كلفة الأرض عبر تخصيص أو انتفاع وإجارة طويلة الأجل، وضمانات جزئية تُخفّض مخاطرة البنوك.
تمييز ضروري: العامل العاطل ليس بالضرورة المشتري نفسه
من فقد دخله المنتظم لا يستطيع تحمل قرض عقاري ممتد 20-25 عامًا، مهما انخفضت فائدته. لذلك يجب التمييز بين فئتين: العامل العاطل، الذي يحصل على وظيفة مباشرة بالمشروع، والأسرة ذات الدخل المستقر، التي تحصل على الوحدة والتمويل الميسر. وقد ينتقل العامل نفسه لاحقًا للفئة الثانية بعد استقرار دخله.
ولمن لا يستطيع تمويلًا تقليديًا، يستحق نموذج "الإيجار المنتهي بالتملك" أن يُطرح كمسار مواز: يدفع المستفيد قسطًا أقرب لبدل الإيجار، يُحتسب جزء منه تدريجيًا ضمن ثمن الوحدة، مع انتقال الملكية عند استيفاء شروط محددة.
من يوفر الأرض، ووفق أي إطار؟
الحكومة والجهات المختصة بإدارة الأراضي العامة معنية بحصر الأراضي الحكومية القابلة للتطوير، فيما تتولى الهيئات المحلية التخطيط والتنظيم والبنية التحتية والتراخيص وفق اختصاصها. أما الأراضي الوقفية، فالأنسب اقتصاديًا وشرعيًا ليس نقل ملكيتها، بل تصميم حق انتفاع أو إجارة طويلة الأجل يحفظ طبيعة الوقف مع إتاحة استثماره التنموي، وهذا بحد ذاته قد يكون أحد أهم أسرار خفض سعر الوحدة.
التمويل موجود... لكن هل هو ميسّر بما يكفي؟
من المهم عدم التعامل مع طلب البنوك ضمانات كموقف رافض للتنمية، وتصحيح انطباع شائع: المشكلة الفلسطينية ليست غياب التمويل العقاري. فقد بلغت محفظة ائتمان الإسكان والرهن نحو 2.76 مليار دولار بنهاية 2024. لكن القروض المتعثرة داخلها ارتفعت من 88 مليون دولار (2022) إلى نحو 112 مليونًا (2024)، لترتفع نسبة التعثر من 3.3% إلى 4.1%.
والتعثر المتصاعد يعكس الضغوط المتزايدة على قدرة بعض المقترضين على السداد، خصوصًا في ظل تراجع الدخل وفقدان فرص العمل خلال العامين الأخيرين. لذلك، فالجديد المطلوب ليس زيادة حجم الائتمان فقط، بل تغيير هيكله: خفض كلفة الأرض، وإطالة آجال السداد حيث يلزم، وتوزيع المخاطر عبر ضمانات جزئية، وفتح مسار الإيجار المنتهي بالتملك لمن لا يناسبه الرهن التقليدي.
المطلوب: مبادرة حكومية تبدأ بمرحلة تجريبية محددة
والبداية لا تحتاج مشروعًا وطنيًا ضخمًا منذ اليوم الأول، بل نموذجًا تجريبيًا في عدد محدود من المحافظات، يُختبر من خلاله عمليًا مدى قدرة الأرض العامة والوقفية والضمانات الجزئية والتمويل المصرفي على إنتاج مساكن أقل كلفة وخلق فرص عمل محلية. فإذا نجح النموذج، يصبح توسيعه قرارًا مبنيًا على تجربة فعلية، لا على افتراضات.
وهذا كله يتطلب جهة حكومية واحدة تتولى جمع الأطراف: وزارات الاقتصاد والأوقاف والحكم المحلي والإسكان، إلى جانب سلطة النقد والبنوك ومؤسسات التمويل الدولية، ضمن إطار عمل بجدول زمني محدد، لا مجرد دعوة عامة للتنسيق كما جرت العادة سابقًا.
خلاصة
الإنشاءات ترتبط طبيعيًا بسلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، من مواد البناء إلى الأثاث والخدمات الهندسية والتجارة المحلية، وإن كان قياس حجم هذا الأثر بدقة يحتاج نموذجًا رقميًا فلسطينيًا محدّثًا لا افتراضات عامة. والفرق بين أن يتحقق هذا المشروع أو يبقى فكرة متداولة لا يكمن في غياب النموذج، فسابقة "الأمل" تثبت أن الالتزامات وُقّعت فعليًا قبل أكثر من عقد، بل في وجود جهة حكومية واحدة تدير الملف من الالتزام حتى الصرف الفعلي، لا التوقف عند التوقيع كما حدث حينها. فالسؤال الأهم اليوم ليس هل نريد إسكانًا ميسرًا، بل: كم وحدة يمكن بناؤها فعليًا، وكم وظيفة يمكن أن تخلقها، وكم دولارًا من التمويل الخاص يستطيع كل دولار من الضمان العام أن يحرك؟
بقلم: د. سعيد صبري
مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


