شبكة راية الإعلامية - 9/22/2026 1:57:18 PM - GMT (+2 )
أثارت العقوبات الأمريكية المفروضة على قضاة في المحكمة الجنائية الدولية، في أعقاب إصدار المحكمة مذكرات اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير جيشه السابق يوآف غالانت، تساؤلات قانونية وسياسية حول توقيت هذه الإجراءات ومدى تأثيرها على استقلال القضاء الدولي وآليات محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية.
وفي هذا السياق، قال أستاذ القانون الدولي في جامعة القدس، الدكتور محمد الشلالدة، إن توقيت الإجراءات الأمريكية يثير تساؤلات، خصوصاً أنها جاءت بعد فترة من إصدار المحكمة مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت، وما تبع ذلك من خطوات أمريكية استهدفت مسؤولين في المحكمة.
وأوضح الشلالدة في حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن الإجراءات العقابية شملت فرض قيود على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، من بينها حظر دخول بعضهم إلى الأراضي الأمريكية، إضافة إلى تجميد الأصول والمعاملات المالية والعقارية التابعة لهم داخل الولايات المتحدة.
واعتبر أن هذه الإجراءات تمثل، من وجهة نظر القانون الدولي، مساساً باستقلال القضاء الدولي، مشيراً إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تمثل إحدى الآليات الدولية المعنية بملاحقة المسؤولين عن الجرائم الدولية الخطيرة.
العقوبات واستقلال القضاء الدولي
وبحسب الشلالدة، فإن فرض عقوبات على قضاة المحكمة بسبب قيامهم بمهامهم القضائية يثير إشكالية تتعلق بمبدأ استقلال القضاء الدولي، ويرسل، وفق توصيفه، رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الجرائم الدولية لا ينبغي أن تسقط بسبب الحصانة السياسية.
وأضاف أن هذه الإجراءات تعكس، في تقديره، إشكالية أوسع تتمثل في تغليب منطق القوة على قواعد الشرعية الدولية، مؤكداً أن الدول، سواء كانت أطرافاً في نظام روما الأساسي أو غير أطراف فيه، تبقى مرتبطة بمجموعة من الالتزامات الناشئة عن قواعد القانون الدولي.
وأشار إلى أن مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة جاءت في إطار اتهامات بارتكاب جرائم دولية، موضحاً أن القانون الدولي الإنساني يفرض التزامات على الدول في ما يتعلق بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الجرائم الخطيرة.
اتفاقيات جنيف ومبدأ المساءلة
واستند الشلالدة في حديثه إلى اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما المادة 146، التي تتناول التزامات الدول الأطراف في ملاحقة الأشخاص المتهمين بارتكاب الانتهاكات الجسيمة للاتفاقية.
وأوضح أن القواعد المتعلقة بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب تشكل جزءاً أساسياً من منظومة القانون الدولي الإنساني، وأن الغاية منها منع الإفلات من العقاب وضمان مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الخطيرة.
وأضاف أن هذه الالتزامات تتصل بمبدأ الاختصاص والملاحقة القضائية في الجرائم الدولية، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية مرتكبها، وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
ما طبيعة العقوبات المفروضة؟
وفي معرض توضيحه لطبيعة العقوبات الأمريكية، قال الشلالدة إنها تتضمن إجراءات مالية واقتصادية تستهدف الأشخاص المعنيين، من خلال تجميد أصولهم أو تقييد معاملاتهم المالية والعقارية داخل الولايات المتحدة.
ورأى أن الإشكالية القانونية الأساسية لا تتعلق فقط بطبيعة العقوبات، وإنما بكونها موجهة إلى قضاة يمارسون اختصاصاً قضائياً دولياً، الأمر الذي يثير تساؤلات حول حدود العلاقة بين القواعد الوطنية للدول والتزاماتها بموجب القانون الدولي.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أنه أكد أن ذلك لا يلغي، من وجهة نظره، الالتزامات الأوسع التي تفرضها قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني على الدول.
بين القانون الوطني والقانون الدولي
وتطرق الشلالدة إلى مسألة العلاقة بين القانون الوطني والقانون الدولي، موضحاً أن القاعدة القانونية الدولية تتعامل مع التزامات الدول في إطار منظومة قانونية تتجاوز الحدود الوطنية.
وقال إن العقوبات المفروضة على قضاة المحكمة الجنائية الدولية قد تؤثر في آليات مكافحة الإفلات من العقاب، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بإجراءات قضائية تستهدف التحقيق في جرائم حرب أو جرائم دولية أخرى.
وأضاف أن ميثاق الأمم المتحدة والمنظومة الدولية يشجعان على التعاون بين الدول في مجال العدالة والمساءلة عن الجرائم الدولية، بما في ذلك التعاون القضائي والتسليم والمحاكمة وفق الأطر القانونية المعمول بها.
الأمم المتحدة والتعاون القضائي
وأكد الشلالدة أن مبدأ التعاون القضائي الدولي يمثل ركناً مهماً في منظومة ملاحقة الجرائم الدولية، مشيراً إلى أن قرارات وهيئات الأمم المتحدة دعت الدول إلى التعاون في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم الخطيرة.
ورأى أن فرض إجراءات عقابية على قضاة المحكمة الجنائية الدولية يطرح تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات القضائية الدولية على أداء مهامها باستقلالية، وكذلك بشأن مستقبل آليات المساءلة الدولية في القضايا التي تتعلق بجرائم خطيرة.
وفي ختام حديثه، شدد الشلالدة على أهمية حماية استقلال القضاء الدولي وعدم السماح بأن تؤدي الضغوط السياسية أو الاقتصادية إلى تعطيل آليات العدالة الدولية، مؤكداً أن مكافحة الإفلات من العقاب تتطلب تعاون الدول واحترام المؤسسات والآليات القضائية الدولية.
ويأتي هذا النقاش في ظل استمرار الجدل الدولي حول دور المحكمة الجنائية الدولية واختصاصها، وحدود التزامات الدول تجاه قراراتها، ومدى قدرة النظام الدولي على ضمان محاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
إقرأ المزيد


