من احتلال الأرض إلى استعمار الذهن: إشكالية موقع المعرفة في الدراسات الإسرائيلية
شبكة قدس الإخبارية -

يقول المفكر الجزائري بدران بن الحسن: "من بين أهم عوائق النهضة، تلك الهزيمة النفسيّة التي تسكن كثيرًا من صنّاع القرار وقادة المجتمع والفكر في بلداننا الإسلاميّة، أو ما يسميها ابن خلدون بـ”ولع المغلوب بتقليد الغالب”، وهو ما سمّاه مالك بن نبي بـ “القابلية للاستعمار”. ما كان للاستعمار أن يعمّر طويلًا في العالم الإسلامي، لو لم يجد الأرضيّة مهيأة لبقائه، من خلال ذلك الاستسلام التام، بل والوقوف إلى جانبه من طرف البعض، وتبنّي أطروحاته، والدفاع عنها من طرف البعض الآخر، ولولا تلك الحالة النفسيّة السلبيّة المتمثّلة في الرضا بالظلم والاستسلام للهوان، والعجز عن مواجهة تحدّيات الواقع ومشكلاته. وإذا أردنا أن نتجاوز هذا العائق، فما علينا إلا فهمه وفهم الآليّات التي يشتغل بها، ويثبت بها الهزيمة، ولعلّ ما ذكره ابن خلدون، ومالك بن نبي، وجودت سعيد، وعلي شريعتي، وعلي عزة بيغوفيتش، ومحمد إقبال، وعبد الوهاب المسيري، وغيرهم من مفكّري المسلمين جديرٌ، بأن ندرسه ونستخلص منه ترياق هذا المرض العضال، الذي جعل الاستعمار يتحكّم في مفاصل حياتنا ومصيرنا، حتى بعد خروجه العسكريّ والسياسيّ، ولكن استمرّ تأثيره النفسيّ والفكريّ، وتصاعد الولاء له بطريقة تكاد تكون خدمة للاستعمار إيمانًا به واحتسابًا لرضاه."

​وتتجلى هذه الهزيمة النفسية في صورتها الأكثر خطورة حين تتسلل من الحيز الشعوري لتتحول إلى مسلك منهجي يُشكل عقول الباحثين؛ إذ تنطبق هذه الرؤية بحذافيرها على حقل "الدراسات الإسرائيلية" والمعرفة المُنتجة حولها. وفي هذا السياق يوضح د. خالد عودالله:

"أحدُ تبعاتِ الإغراق في الدراسات الاستراتيجية والإسرائيلية هو هيمنةُ ما يُدرَس على العقل والخيال، حتى يُصبِح من العسير تخيّلُ آفاقٍ وممكناتٍ خارج هذه الهيمنة. في هذا العالم دائمِ التشكّل، ثمة حقائق لا تنكشف إلا في لحظة الصدام والاشتباك، ولا يمكن بلوغها عبر مناهج التحليل والنظريات المبنية على ما مضى وكان."

​انطلاقًا من هذا التداخل الوثيق بين "هندسة المعنى" و"هيمنة ما يُدرَس"، لا تكمن المشكلة في دراسة إسرائيل أو تفكيك بنية مجتمعها ومؤسساتها بحد ذاتها؛ ففهم الآخر وتوجهاته جزءٌ أصيل من إدارة الصراع، ووسيلة لاستكشافه لا للتطبيع معه. لكن هذا الفهم يظل مشروطاً بمساءلة دائمة لـ "موقع المعرفة"، وأدواتها، وغاياتها.

​فالسؤال الأساسي ليس: هل ندرس الآخر؟ بل: من أي موقع ندرسه؟ وبأي أدوات؟ وهل ندرسه لنفهمه، أم نسمح لمفاهيمه بخلخلة جهازنا المعرفي لتصبح هي الإطار المرجعي الذي نفسر من خلاله واقعنا؟

​تشتد الخطورة حين تُقدَّم هذه المادة لطلبة فلسطينيين وعرب عبر المناهج الأكاديمية السائدة من منظور استعماري مجرد من النقد والتفنيد، ودون وعي بالانتماء والسياق التاريخي. عندها يقع الباحث—بوعي أو بدونه—في فخ إعادة إنتاج مقولات الآخر باللغة العربية، ليغدو ناطقاً باسمه، يُكرر سرديته ومبرراته، ويتبنى حدوده للممكن والمستحيل. فالفرق شاسع بين أن نعرف كيف يفكر الإسرائيلي وبين أن تصبح طريقة تفكيره هي التي تصوغ أسئلتنا ومفاهيمنا.

​ويغدو المشهد مُعقدًا حين تتبنى بعض المؤسسات والجامعات البحثية والبحثية-المحلية مقاربات تتغطى بالانحياز المظهري للسردية الوطنية، بينما تنزلق عملياً إلى إطارات تنشر أوهام "التعايش" أو تسوق أطروحات من قبيل "دولة جميع مواطنيها"، في تراكم شكلي يعيد تعريف الصراع خارج طبيعته التحررية، ويُبهت المسافة الحاسمة بين تفكيك مفاهيم الآخر وبين تبنيها.

​المشكلة إذًا ليست في المعرفة ذاتها، بل في "موقع إنتاجها". أن نعرف الآخر؟ نعم، لكن من موقع اشتباكي قادر على التفنيد الميداني والمفاهيمي، لا من موقع المتلقي المستسلم لمنظومته المعرفية. فالمعرفة ليست محايدة حين تُنتج تحت أثقال علاقات القوة، والنظريات المبنية على ماضي المؤسسة الاستعمارية تظل قاصرة عن إدراك الحقائق؛ والاشتباك المعرفي هنا لا يعني إسقاط المعايير العلمية، بل إخضاع المناهج الاستعمارية ذاتها للمساءلة ونزع صفة "العيارية" عنها.

​وينسحب هذا الإشكال مباشرة على اللغة والمصطلحات التي نستخدمها؛ إذ نشهد اليوم "سيولة مصطلحات" تُفقد الكلمات وزنها؛ فتتجاور ألفاظ مثل: "تحرر"، و"سياق استعماري" حتى تبدو كأنها مفاهيم طافية مجردة عن الواقع الميداني والتجربة الحيّة. إن استقلالية العقل لا تعني الانغلاق عن المفاهيم المتعددة والتيارات المتنوعة،ودراسة الآخر بل تعني القدرة على إخضاعها للاختبار والتفكيك، وربطها بالنسق الحضاري والتجربة الواقعية بدلاً من استيرادها كأطر جاهزة.

​وحين تنفصل المفاهيم عن التجربة، وتغدو معرفتنا بالآخر أوسع وأعمق من قدرتنا على إنتاج معرفة بذواتنا مقترنة بخاصية النسق الحضاري الذي يعبر عن سرديتنا وهويتنا ونموذجنا، نكون أمام أزمة تتجاوز الأكاديميا لتطال الخيال السياسي؛ عندها يتحول الاحتلال من جغرافيا الأرض إلى ذهنية الباحث، ولا يعود الخطر متمثلاً في دراسة الآخر، بل في أن يحتل الآخر موقعنا في تعريف الذات، وتشكيل الوعي، وتحديد سقف الممكن.