شبكة قدس الإخبارية - 10/9/2026 5:59:19 PM - GMT (+2 )
ثلاث سنوات مرّت منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنها بالنسبة للأسرى الفلسطينيين لم تكن مجرد ثلاث سنوات من الزمن، بل سنوات من القمع والخوف والحرمان والمرض والعزل، تحوّلت فيها السجون إلى جزء آخر من المشهد الفلسطيني المثقل بالحرب والدمار. فبينما كانت الحرب تشتد خارج الأسوار، كانت داخل السجون حرب أخرى تجري بصمت؛ حرب على الجسد والغذاء والدواء والكرامة والقدرة على التواصل مع العالم الخارجي.
وبحسب أحدث إحصائيات مؤسسات الأسرى، يقبع في سجون الاحتلال حتى بداية تشرين الأول/أكتوبر 2026 نحو 9300 أسير ومعتقل فلسطيني، بينهم 91 أسيرة، و350 طفلًا، و3101 معتقل إداري. كما بلغ عدد حالات الاعتقال في الضفة الغربية والقدس منذ 7 أكتوبر 2023 نحو 26 ألف حالة اعتقال، وهي أرقام تعكس اتساع سياسة الاعتقال خلال سنوات الحرب. (وفا)
السجن بعد الحرب… ليس كما كان قبلهالم تعد تجربة الأسر بالنسبة للكثير من المعتقلين مجرد حرمان من الحرية. فقد وثقت مؤسسات حقوقية وأسرى محررون شهادات عن الضرب، والاقتحامات، والعزل، والتجويع، ونقص الملابس ومستلزمات النظافة، وانتشار الأمراض، ومن بينها الجرب، إضافة إلى تراجع الرعاية الطبية.
وتشير شهادات موثقة خلال عام 2026 إلى استمرار القمع والحرمان من الاحتياجات الأساسية، خصوصًا في سجون النقب وعوفر، فيما تحدث أسرى محررون عن نقص شديد في الطعام والمياه والملابس، وتكرار الاقتحامات وعمليات التفتيش والقمع.
أما معتقلو قطاع غزة، فتبدو الصورة أكثر قسوة، في ظل صعوبة معرفة الأعداد الدقيقة ومصير عشرات المعتقلين، واستمرار الإخفاء القسري. وقد تحدثت شهادات حديثة عن فقدان الوزن، والحرمان من العلاج، ونقص الملابس ومواد النظافة، إضافة إلى الضرب والإهانات والضغط النفسي.
والمشكلة لا تتوقف عند الظروف اليومية؛ فغياب الزيارات المنتظمة يترك الأسير وعائلته في حالة من القلق المستمر. وحتى في أيلول/سبتمبر 2026، أكدت المحكمة العليا الإسرائيلية أن الحكومة لم تنفذ بصورة كاملة قرارًا يسمح باستئناف زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للمعتقلين الفلسطينيين.
الأسيرات… الأسر داخل الأسرللأسيرات الفلسطينيات حكاية أخرى من الألم. فحتى بداية تشرين الأول/أكتوبر بلغ عدد الأسيرات 91 أسيرة، من بينهن أسيرات إداريات. وتوثق المؤسسات الحقوقية ظروفًا صعبة في سجن الدامون، تشمل نقص الطعام والملابس والاحتياجات النسائية الأساسية، والتفتيش المتكرر، والاقتحامات، والعقوبات، والإهانات، إضافة إلى صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية.
وراء كل أسيرة أم أو ابنة أو زوجة أو أخت، وفي كثير من الحالات أطفال ينتظرون عودة أمهاتهم. ولعل أكثر ما يؤلم في تجربة الأسيرات ليس الجدران وحدها، وإنما حرمان الأم من احتضان أطفالها، والطفل من أمه، والأسرة من أبسط تفاصيل الحياة الطبيعية.
ومن أكثر الأرقام إيلامًا وجود نحو 350 طفلًا فلسطينيًا في سجون الاحتلال. فالطفل الذي يفترض أن يكون في المدرسة أو بين أسرته وأصدقائه، يجد نفسه في بيئة اعتقال قاسية، وقد يواجه التحقيق والتقييد والعزل وظروفًا معيشية صعبة. وتشير مؤسسات الأسرى إلى أن الاحتلال اعتقل أكثر من 1900 طفل خلال سنوات الحرب الثلاث، بينما لا يزال نحو 350 طفلًا في الأسر حتى بداية تشرين الأول/أكتوبر 2026.
الاعتقال الإداري… سجن بلا نهاية واضحةومن أخطر أدوات الاعتقال خلال هذه السنوات اتساع استخدام الاعتقال الإداري. فيوجد حاليًا 3101 معتقل إداري، أي معتقلون محتجزون دون محاكمة جنائية مكتملة، ويستند استمرار احتجازهم إلى أوامر وملفات سرية لا يستطيع المعتقل ومحاميه الاطلاع عليها بصورة كاملة.
والأخطر أن المعتقل الإداري لا يعرف بالضرورة متى تنتهي قصته؛ فقد ينتهي الأمر الأول ثم يصدر أمر جديد، فتتحول الأشهر إلى سنوات، ويصبح موعد الحرية مجهولًا.
الأسرى الشهداء… الرقم الذي لا ينبغي أن يمر بصمتخلال السنوات الثلاث الماضية، ارتقى 92 أسيرًا ممن عُرفت هوياتهم، وفق مؤسسات الأسرى، أي ما يقارب 28% من إجمالي شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967. كما أن مصير عشرات معتقلي غزة الذين يُعتقد أنهم استشهدوا ما زال غير معروف بسبب الإخفاء القسري. (وفا)
وهنا يصبح الرقم أكثر من مجرد إحصائية؛ فكل شهيد أسير كان إنسانًا له اسم ووجه وعائلة وذكريات وأحلام.
أهالي الأسرى… أسرٌ من نوع آخرلا ينتهي الاعتقال عند بوابة السجن. هناك، خارج الأسوار، عائلات تعيش انتظارًا طويلًا، وأمهات يراقبن الأخبار، وآباء يبحثون عن معلومة، وأطفال يكبرون دون آبائهم، وزوجات يواصلن حياتهن وسط غياب شخص أساسي في الأسرة. ومع صعوبة الزيارات والقيود المفروضة على التواصل، يتحول انتظار الخبر إلى عبء نفسي دائم. لهذا فإن قضية الأسرى ليست قضية الأسرى وحدهم؛ إنها قضية آلاف العائلات التي تعيش تبعات الاعتقال يومًا بعد يوم.
حتى من خرجوا من السجن لم يسلمواالمفارقة أن الحرية لا تعني دائمًا نهاية الاستهداف. فوفق نادي الأسير، سُجلت نحو 100 حالة اعتقال بحق أسرى محررين منذ 7 أكتوبر 2023، ومن بينهم محررون أُفرج عنهم ضمن صفقات تبادل، فيما تعرض بعضهم للاعتقال أكثر من مرة. (وفا)
وهذا يعني أن بعض الأسرى خرجوا من السجن ليجدوا أنفسهم أمام احتمال العودة إليه، وأن تجربة الاعتقال يمكن أن تمتد آثارها إلى ما بعد الإفراج، لتشمل الأسير المحرر وعائلته ومحيطه.
ثلاث سنوات… والسؤال ما زال مفتوحًابعد ثلاث سنوات من الحرب، تكشف الأرقام أن ملف الأسرى لم يتراجع، بل اتسع وتعقد أكثر. 9300 أسير ومعتقل، 91 أسيرة، 350 طفلًا، 3101 معتقل إداري، و92 شهيدًا من الأسرى خلال السنوات الثلاث الماضية؛ أرقام تختصر جانبًا من المشهد، لكنها لا تستطيع أن تنقل حجم الألم الإنساني خلف كل رقم. (وفا)
والأسرى لا يحتاجون فقط إلى أن نتذكر أسماءهم في المناسبات؛ بل إلى أن تبقى قضيتهم حاضرة في الوعي الفلسطيني والعربي والدولي، وأن تُطرح أوضاعهم باعتبارها قضية إنسانية وحقوقية تتطلب حماية حياتهم وكرامتهم وضمان حقوقهم الأساسية.
فثلاث سنوات من الحرب غيّرت الكثير في المشهد الفلسطيني، لكنها لم تغيّر حقيقة واحدة: أن خلف كل باب سجن أسيرًا ينتظر الحرية، وخلف كل أسير عائلة تنتظر عودته. والحرية التي ينتظرها الأسرى ليست رقمًا في إحصائية، بل حق إنساني لا ينبغي أن يفقد معناه مهما طال الزمن.
ملاحظه: اعتمدتُ في الإحصائيات الأساسية على بيانات مؤسسة الضمير ومؤسسات الأسرى المنشورة في 5–6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، لأنها الأحدث التي وجدتها، مع توضيح أن رقم الشهداء (92) يتعلق بمن عُرفت هوياتهم، بينما لا يزال مصير عشرات معتقل غزة مجهولًا.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


