لا تبالغوا بسقف الخلاف
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: عمر حلمي الغول

على أهمية المواقف والبيانات السياسية المعلنة في المحادثات البينية بين قادة الدول والحكومات ومن يمثلونهم، أو في ردود الفعل على مواقف الدول على إجراءاتها وسياساتها، أو حتى في خطابات وكلمات الملوك والرؤساء ورؤساء الوزراء والوزراء، الا ان القيمة الحقيقية لأي موقف سياسي أو اقتصادي أو عسكري يكمن في تطبيقه وترجمته في الواقع، لأن مصداقية القول بغض النظر عن خلفيته، تتمثل في التنفيذ الفعلي على الأرض. أما الجمل السياسية والشعارات الطنانة والقرارات، التي تطرب الآذان، ودون صدى لها في الواقع، لا قيمة لها، وتبقى حبرا على ورق، وللاستهلاك وتضليل الرأي العام بمستوياته كافة. مما يفرض على المراقبين السياسيين والإعلاميين التدقيق جيدا فيما يعلن ويلقى من على المنصات المحلية والإقليمية والدولية، أو البينية بين الدول. لأن ما يدور في الغرف المغلقة عادة يكون بعيد جدا، ولا صلة له بما قيل أو أعلن أو صدر هنا أو هناك.
الازمة الإسرائيلية - البريطانية، إن جاز تسميتها بالأزمة، وفق ما أعتقد ليست سوى تباين في المواقف، واختلاف في وجهات النظر بشأن كيفية إدارة الاجتهادات بين القيادتين، أو الاتفاق البيني على سيناريو لإخراج التكامل حول المواقف المتعارضة، ومنها نموذج العقوبات البريطانية البسيطة والجزئية ضد التبادل التجاري والاقتصادي مع المستعمرات الإسرائيلية. لأن العلاقات التاريخية الناظمة بين المملكة المتحدة وإسرائيل، أعمق من التباينات كافة بين البلدين. لا سيما وأن بريطانيا هي ذاتها من أصدر وعد بلفور المشؤوم في الثاني من تشرين الثاني / نوفمبر 1917، لإقامة "وطن قومي لليهود" الصهاينة في فلسطين، قبل 31 عاما من إقامة إسرائيل اللقيطة والطارئة، وذاتها دولة الانتداب البريطانية مع الولايات المتحدة ودول الغرب الرأسمالي، هي من هندست ومولت ودعمت إسرائيل، وشاركت معها في الإبادة الجماعية ضد الشعب العربي الفلسطيني، ولم يكن تراجعها النسبي عن سياسة التماهي في دعم قاعدتهم الوظيفية الإسرائيلية ناتج عن قناعة، بقدر ما كان تراجعا تكتيكيا ومدروسا، نتاج التحول الدراماتيكي للرأي العام البريطاني وداخل دول الاتحاد الأوروبي والغرب الرأسمالي عموما، وأيضا للتغطية على استمرار دعمها بالمال والسلاح والاقتصاد وفي مجالات الحياة كافة للدولة الطارئة واللقيطة الإسرائيلية، ولإيهام الرأي العام في بلدانها باستجابتها له، وذلك حرصا على أصوات المقترعين في الانتخابات الدورية التي تجري في بلدانهم.
كما أن الاجراء الإسرائيلي بإغلاق القنصلية البريطانية، أول الخميس 8 تشرين أول / أكتوبر 2026، ليس الا جزءً من الحملة الانتخابية التي يخوضها اقطاب الائتلاف الحاكم، وخاصة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، وذلك لتعزيز موقع اركان الائتلاف الحاكم. وقد تم التوافق البيني بين جوناثان بأول رئيس الأمن القومي البريطاني وشموئيل بن عزرا رئيس مجلس الامن القومي الإسرائيلي يوم الاثنين 5 أكتوبر الحالي على ترتيب الإخراج لسيناريو اغلاق القنصلية البريطانية، وتخفيضها لمستوى بعثة من 7 دبلوماسيين، وتسفير القنصل و19 دبلوماسيا بريطانيا، لتأدية خدمات دون الخدمات القنصلية، وقد يتم نقلهم من القدس لاحقا الى رام الله. وتم الاتفاق على عدم اتخاذ الحكومة البريطانية أي اجراء بالمثل ضد دبلوماسي السفارة الإسرائيلية في لندن، وهذا ما أعلن عنه اد مليباند وزير الخارجية البريطاني يوم الخميس الماضي. وهو ما يؤكد أن المواقف الإنكليزية الرنانة حول مكانة القدس الشرقية كأرض محتلة، وتمسكها بالدفاع عن خيار حل الدولتين، وهي مواقف نسبيا إيجابية، وعدم تراجعها عن فرض عقوباتها المتواضعة ضد المستعمرات الإسرائيلية، التي لم تذكر بأي كلمة الدولة الإسرائيلية مرجعية الاستيطان الاستعماري بالتخطيط والوجود والتمويل على ارض الدولة الفلسطينية المحتلة، وإطلاق يد العصابات والجيش الإسرائيلي لارتكاب أبشع جرائم الحرب اليومية ضد المواطنين الفلسطينيين، هي مواقف شكلية ولا ترقى الى مستوى المسؤولية السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، التي كان يجب ان تتخذها بريطانيا ضد دولة الإبادة الجماعية المارقة والخارجة على القانون الدولي.
وما كان لبريطانيا صاحبة الوعد المشؤوم والدور الأخطر في إقامة إسرائيل، أن تتعامل مع مواقف أي دولة أخرى بذات الطريقة، بل كانت ستتخذ إجراءات مماثلة وأقصى، في حال تم طرد دبلوماسي من دبلوماسيها. ولكن بريطانيا أسوة بدول الغرب الرأسمالي، رغم الخطوات العقابية الجزئية ضد المستعمرات وبعض عصابات الاستيطان وعدد محدود جدا من أعضاء حكومة الائتلاف النازيين المقبولة، الا انها لم ترق الى مستوى المسؤولية السياسية والدبلوماسية والقانونية، ومازالت تراوح عند الحد الأدنى من الإجراءات الواجب فرضها على دولة الإبادة الجماعية الإسرائيلية، وتعميق عزلها ونبذها على المستوى الرسمي، وتطوير المواقف الدولية في حماية الشعب الفلسطيني، وفرض قرارات الشرعية الدولية، إن كانت معنية بالسلام وتعزيز خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، لذا على النخب الفلسطينية والعربية والدولية الا تبالغ بسقف الخلافات البينية بين بريطانيا والعديد من دول الاتحاد الأوروبي والغرب الرأسمالي عموما مع إسرائيل الطارئة والنازية أداة الغرب وقاعدته الامامية في الوطن العربي.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد