تأجيل الانتخابات حمايةً لها
وكالة سوا الاخبارية -
2026/10/10

ليس كل تأجيل للانتخابات تعطيلًا للديمقراطية، كما أن إجراءها في موعدها لا يضمن تغييرًا حقيقيًا. فصندوق الاقتراع لا يكفي وحده لتغيير موازين السلطة، خصوصًا حين تكون صلاحيات المجلس التشريعي وعلاقته بالترتيبات الانتقالية غير محسومة. وفي هذه الحالة، قد تجرى الانتخابات بينما يبقى الواقع على حاله.

و غزة اليوم تجعل هذا الخطر واقعًا؛ فقد أقر مجلس الأمن، في نوفمبر 2025، القرار رقم 2803، الذي وضع إطارًا انتقاليًا لإدارة القطاع وإعادة إعماره تحت إشراف «مجلس السلام»، ونص على إنشاء قوة دولية مؤقتة حتى نهاية عام 2027. كما نصت الترتيبات على تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتتولى شؤونها اليومية. غير أن اللجنة لم تدخل القطاع بعد، ولم تُنشر القوة الدولية، فيما لا يزال شكل الحكم المقبل وصلاحيات أطرافه موضع تساؤل.

لا تكمن المشكلة في وجود ترتيبات انتقالية تساعد غزة على تجاوز آثار الحرب، بل في طبيعة السلطة التي قد تنشأ عنها. فإذا تولت جهات خارج المؤسسات الفلسطينية إدارة الشؤون العامة، وأصبحت صاحبة القرار في الملفات الأساسية، فلن يكون الأمر مجرد مساعدة مؤقتة، بل إعادة ترتيب للحكم قد لا تترك للمؤسسات الفلسطينية دورًا. فالمرحلة الانتقالية ينبغي أن تمهّد لاستعادة الفلسطينيين إدارة شؤونهم، لا أن تنشئ مرجعية بديلة عنهم.

ويزداد هذا الخطر مع نشوء هياكل إدارية وأمنية موازية للسلطة الفلسطينية، تستند إلى موارد مالية ودعم دولي واستمرارية في العمل. فكلما ترسخت هذه الهياكل، أصبح دمجها في نظام حكم فلسطيني موحد أكثر صعوبة، وتحول الانقسام من خلاف سياسي بين القوى الفلسطينية إلى واقع مؤسسي مدعوم دولياً يمتد أثره إلى مستقبل غزة ووحدة القرار الفلسطيني.

في ظل هذه المعطيات، لا يكفي انتخاب مجلس تشريعي جديد للقول إن الفلسطينيين استعادوا قدرتهم على تقرير مستقبلهم. فالمجلس المنتخب لن يستطيع، بمجرد فوزه، تغيير صلاحيات «مجلس السلام» أو إنهاء مهمة القوة الدولية أو فرض انتقال الحكم إلى السلطة الفلسطينية. وإذا جرى الاقتراع قبل تحديد هذه المسائل، فقد يمنح الفلسطينيون شرعية لمجلس لا يملك الأدوات اللازمة لتنفيذ قراراته، فيما تبقى القضايا الأساسية خارج نطاق سلطته.

لهذا، يصبح تأجيل الانتخابات ضرورة إذا كان هدفه تهيئة الظروف التي تجعل نتائجها قابلة للتنفيذ. ويجب ألا يتجاوز الموعد البديل منتصف عام 2027، قبل انتهاء التفويض المقرر لمجلس السلام والقوة الدولية. كما ينبغي أن تُحدد خلال فترة التأجيل صلاحيات كل جهة، والعلاقة بين الترتيبات الانتقالية والسلطة الفلسطينية، والجدول الزمني لانتقال الحكم إلى المؤسسات الفلسطينية، مع آلية واضحة للمتابعة والمساءلة وضمانات عربية ودولية تحول دون تمديد المرحلة الانتقالية بلا نهاية.

الانتخابات حق للفلسطينيين، لكن هذا الحق يفقد جزءًا من معناه إذا طُلب منهم اختيار ممثليهم من دون أن يعرفوا حدود سلطتهم. وأخطر ما يمكن أن يحدث أن ينتخبوا مجلسًا جديدًا، ثم يكتشفوا أن ممثليهم يملكون الشرعية الشعبية، بينما القرار خارج أيديهم.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد