شبكة راية الإعلامية - 10/10/2026 3:58:21 PM - GMT (+2 )
الكاتب: رامي مهداوي
ثمة مفارقة فلسطينية تستحق التأمل: أن يصبح انتظار صندوق الاقتراع، كما انتظار شوالات الزيتون، ضربًا من المراهنة على موسم لا يملك أصحابه ضمانات الوصول إليه. هنا، لا نتحدث عن تشابه عابر بين السياسة والزراعة، بل عن واقع تتراجع فيه قدرة الفلسطيني على التحكم بمصيره، سواء حين يذهب إلى أرضه ليحصد ثمارها، أو حين ينتظر أن يذهب إلى صندوق ليختار من يمثله. في الحالتين، يبدو الحق واضحًا، لكن الطريق إليه محاصر بالوقائع التي تُصنع خارج إرادته.
جاء تأجيل الانتخابات، كما كان متوقعًا في ظل الواقع السياسي والأمني القائم، ليضيف طبقة جديدة إلى مأزق الحياة الفلسطينية. فالانتخابات التي يُفترض أن تكون مدخلًا لتجديد الشرعيات واستعادة ثقة الناس بمؤسساتهم، تجد نفسها رهينة واقع لا يسمح بإجرائها على نحو طبيعي، ولا يتيح للفلسطينيين ممارسة حقهم الديمقراطي بمعزل عن القيود المفروضة على حياتهم. لكن المأساة لا تكمن في التأجيل وحده، بل في أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يصبح غياب الأفق الديمقراطي جزءًا مألوفًا من الحياة العامة، كما أصبح الاعتداء على الأرض ومصادر الرزق مشهدًا يتكرر حتى كاد الاعتياد عليه أن يكون شكلًا آخر من أشكال الهزيمة.
في المقابل، يأتي موسم الزيتون محمّلًا بما يتجاوز قيمته الزراعية والاقتصادية. فالشجرة التي صمدت أمام تعاقب الأجيال لا تواجه اليوم الجفاف وحده، بل تواجه منظومة من الاعتداءات تشمل اقتلاع الأشجار وحرقها وتسميمها، وسرقة الثمار، والاعتداء على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم. وما شهدته مناطق جنوب الخليل، من مسافر يطا إلى خلة الحمص ووادي ماعين وخربة الركيز وفرش الهوا وكافة القرى الفلسطينية، ليس مجرد تعدٍّ على محصول، بل اعتداء على العلاقة بين الإنسان وأرضه، ومحاولة لجعل البقاء نفسه فعلًا مكلفًا ومحفوفًا بالخطر.
وهكذا، بين انتخابات مؤجلة وزيتون مسروق، تتكشف صورة أعمق للمشهد الفلسطيني. في غزة، لم يعد الدمار مقتصرًا على البيوت التي سُوّيت بالأرض، بل امتد إلى شروط الحياة ذاتها؛ إلى العمل والإنتاج والتعليم والصحة، وإلى قدرة المجتمع على تخيل الغد. وفي الضفة الغربية، تتقدم المستوطنات والاعتداءات والقيود على الحركة والأرض، بينما تتراجع المساحات المتاحة أمام الفلسطيني لبناء حياة مستقرة. وفي الحالتين، لا يُستهدف الحاضر وحده، بل تُستنزف القدرة على صناعة المستقبل_ أثناء كتابتي هذا المقال هجم المستوطنين على قرية سردا وحي الريحان وبيرزيت ويطلقون الرصاص _.
لكن الأخطر من هذا كله أن يتحول الفلسطيني إلى إنسان يعيش في زمن الانتظار: ينتظر الانتخابات كي يستعيد صوته، وينتظر موسم الزيتون كي يجني رزقه، وينتظر إعادة الإعمار كي يعود إلى بيته، وينتظر انفراجًا اقتصاديًا كي يوفر احتياجات أسرته. وحين يصبح الانتظار هو الإيقاع الناظم للحياة، تتآكل السياسة بوصفها فعلًا للتغيير، ويصبح الصمود، على أهميته، محاولة يومية لتأجيل الخسارة التالية.
هل يعني ذلك أن الانتخابات فقدت ضرورتها، أو أن التمسك بالأرض لم يعد كافيًا؟ على العكس تمامًا. إن تأجيل الانتخابات لا يلغي الحاجة إلى الديمقراطية، بل يجعلها أكثر إلحاحًا، وسرقة الزيتون لا تقلل من قيمة الأرض، بل تكشف ضرورة حمايتها بأدوات تتجاوز رد الفعل الموسمي. غير أن الإصرار على الحقوق لا ينبغي أن يعني الاكتفاء بتكرار المطالبة بها، وكأن وضوح الحق يعفي من ابتكار الوسائل القادرة على انتزاعه وحمايته.
هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية فلسطينية خارج المألوف، لا تستبدل السياسة بالاقتصاد، ولا المقاومة المدنية بالتنمية، بل تجمعها في مشروع واحد. استراتيجية تبدأ من الاعتراف بأن إدارة الأزمات لم تعد كافية، وأن المؤسسات مطالبة بالانتقال من الاستجابة للخسائر إلى استباقها. ويمكن أن يتجسد ذلك في منظومة وطنية لحماية الأراضي والمواسم الزراعية، تتكامل فيها البلديات والتعاونيات والوزارات والمؤسسات الحقوقية، وتستخدم الخرائط الرقمية وقواعد البيانات والإنذار المبكر لتحديد الأراضي المهددة، وتوثيق الاعتداءات ومتابعتها قانونيًا، وتوفير الدعم الزراعي والتعويضات للمزارعين المتضررين.
كما يمكن بناء شبكات تسويق وتضامن اقتصادي تضمن شراء المحاصيل من المزارعين، وتطوير الصناعات المرتبطة بالزيتون، وتوسيع الأسواق المحلية والخارجية، بحيث لا تكون سرقة الثمار نهاية الموسم اقتصاديًا. فحين تتوزع المسؤولية عن حماية الإنتاج على المجتمع والمؤسسات، لا يعود المزارع وحيدًا في مواجهة الخطر، ولا تبقى خسارته شأنًا عائليًا محدودًا.
أما سياسيًا، فلا بد من التعامل مع تأجيل الانتخابات باعتباره أزمة وطنية تستدعي مسارًا واضحًا لتجديد الشرعيات، لا ذريعة لتكريس الفراغ. وهذا يتطلب حوارًا جادًا حول شروط الانتخابات وضماناتها، وتطوير أشكال المشاركة والمساءلة إلى حين تهيئة الظروف اللازمة لإجرائها، مع الحفاظ على الحق الديمقراطي بوصفه حقًا أصيلًا لا منحة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
إن ما يجري في غزة والضفة ليس أزمتين منفصلتين، بل وجهان لاستهداف واحد: إضعاف قدرة الفلسطيني على امتلاك شروط حياته وتقرير مستقبله. ولذلك، فإن الرد لا يمكن أن يكون زراعيًا فقط، ولا انتخابيًا فقط، ولا إغاثيًا فقط. إنه يحتاج إلى رؤية وطنية تعيد وصل الأرض بالإنسان، والاقتصاد بالسياسة، والصمود بالقدرة على الفعل.
لا صناديق انتخابات، ولا شوالات زيتون؛ ليست عبارة عن غياب موسمين، بل عن وطن يُدفع أهله إلى انتظار ما يفترض أن يكون حقًا طبيعيًا: أن يختاروا، وأن يزرعوا، وأن يحصدوا، وأن يعيشوا بكرامة. وربما تكون المعضلة الحقيقية أننا أتقنّا وصف ما يُنتزع منا، لكننا لم ننجح بعد في بناء منظومة وطنية قادرة على تقليل ما يُنتزع، واستعادة ما يمكن استعادته.
فالزيتون الذي لا يصل إلى شوالاته، والصوت الذي لا يصل إلى صندوقه، يلتقيان عند سؤال واحد: كيف يستعيد الفلسطيني حقه في أن يكون صاحب القرار في أرضه وحياته؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


