"لا تفاوض مع حماس".. كتاب إسرائيلي يوثّق كيف تعاملت قيادة نتنياهو مع ملف الأسرى في الحرب
شبكة قدس الإخبارية -

خاص قدس الإخبارية: يكشف الفصل الأول من كتاب "الرهائن: 843 يوماً من التخلي عنهم"، للصحفيين الإسرائيليين شلومي إلدار وروتي يوفال، تفاصيل الساعات الأولى من السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكيف تلقت القيادة الإسرائيلية تحذيرات ومعلومات عن أسر جنود ومدنيين ونقلهم إلى قطاع غزة، لكنها أعطت الأولوية لإدارة المعركة العسكرية، فيما أعلن مسؤولون كبار رفض التفاوض مع حركة حماس.

وبحسب الفصل الذي يحمل عنوان "إنها حرب!"، سادت حالة من الفوضى في مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية المحصّن تحت الأرض في "الكرياه" بتل أبيب، مع انهيار الاتصالات بالقوات الموجودة في غلاف غزة، وعجز كبار القادة عن تكوين صورة دقيقة لما يجري.

تحذير مبكر من عمليات أسر

عند نحو السابعة والنصف صباحاً، نبّه مسؤول عسكري إلى وصول بلاغ عن احتجاز شخص قرب معبر إيرز "بيت حانون"، مرجّحاً أن يكون أسر إسرائيليين بغرض المساومة أحد أهداف الهجوم.

لكن أحد المشاركين في تقييم الوضع أقرّ بأن التعامل مع قضية الأسرى اقتصر في تلك المرحلة على هذا التنبيه، في وقت كانت فيه المؤسسة العسكرية منهمكة بمحاولة استعادة السيطرة على المواقع والبلدات.

وبعد التاسعة صباحاً بقليل، وصل بنيامين نتنياهو إلى مقر القيادة العسكرية، حيث أطلعه سكرتيره العسكري آفي غيل على التقديرات الأولية.

وسأل نتنياهو عما إذا كانت هناك عمليات خطف، فأبلغه غيل أن تقديره يشير إلى احتمال سقوط مئات القتلى ووجود عشرات الرهائن، في حصيلة أولية لم تكن مؤكدة بعد.

وعند نحو العاشرة صباحاً، انضم نتنياهو إلى القادة في مركز القيادة تحت الأرض، بينما كانت المعلومات عن عمليات الأسر تتزايد، بما فيها بلاغات تؤكد أن المحتجزين لا يقتصرون على الجنود.

ويكشف الفصل أن غيل عاد واقترح على رئيس الحكومة تعيين منسق متفرغ لقضية الأسرى والمفقودين، محذّراً من حجم الحدث المتوقع. وكان منصب المنسق الدائم شاغراً منذ مغادرة يارون بلوم قبل نحو عام، فيما كان غيل يتولاه بالإنابة.

أوامر عسكرية رغم الخطر على حياة الأسرى

وفي موازاة هذه التطورات، يوثق الفصل إعادة استخدام الجيش الإسرائيلي تعليمات مرتبطة بما يعرف بـ"إجراء هنيبعل"، الذي كان يهدف إلى منع وقوع جنود في الأسر، حتى عندما يعرّض ذلك حياة المخطوفين للخطر.

فعند الساعة 7:18 صباحاً، تقرر تفعيل الإجراء بعد ورود معلومات عن اختطاف جندي قرب معبر إيرز، رغم إلغاء التوجيه بصيغته القديمة رسمياً.

وفي الساعة 7:41، تكرر إصدار التعليمات عقب ورود معلومات عن أسر جنود إضافيين، وأعقبها أمر باستخدام مسيّرة هجومية تُعرف باسم "زيك"

ومع اتساع عمليات نقل المحتجزين إلى قطاع غزة، أصدر رئيس الأركان هرتسي هليفي توجيهاً يقضي بعدم مهاجمة مركبة إذا توفرت معلومات مؤكدة بوجود رهائن فيها، ومهاجمتها إذا لم تتوفر هذه المعلومات.

لكن الفصل يكشف أن التعليمات التي انتقلت إلى الوحدات الميدانية اتخذت صيغة أشد. ففي الساعة 11:22، سُمع عبر شبكة اتصالات فرقة غزة أمر يمنع عودة أي مركبة إلى القطاع.

وينقل الكتاب عن مصدر عسكري أن القوات لم تكن تعرف بصورة مؤكدة أي المركبات تحمل رهائن، ما أثار خطراً مباشراً على حياتهم.

ومن الحالات التي يوثقها الفصل مقتل الإسرائيلية إفرات كاتس، خلال إطلاق مروحية هجومية إسرائيلية النار باتجاه مسلحين كانوا ينقلون مجموعة من الأسرى من كيبوتس نير عوز نحو قطاع غزة.

وتدعم شهادات الناجين الواردة في الكتاب الرواية بشأن إطلاق النار على المركبة، مع تأكيد الجيش الإسرائيلي معرفته بحالة مقتل واحدة على الأقل نتيجة نيران مروحية إسرائيلية.

اجتماع الساعة 14:45: تجاهل المحتجزين ورفض التفاوض

وفي الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة بعد الظهر، انعقد المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، وسط غياب تقدير موثوق لعدد الأسرى والمفقودين.

وسأل الوزير أرييه درعي عن أعداد المحتجزين، فرد رئيس جهاز الشاباك رونين بار بأن المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود 14 جندياً و28 مدنياً مخطوفين، إضافة إلى عشرات الأشخاص الذين انقطع الاتصال بهم.

في المقابل، أشار رئيس شعبة العمليات في الجيش عوديد باسيوك إلى وجود 169 شخصاً انقطع الاتصال بهم.

وكان موقف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أكثر حدّة؛ إذ قال، بحسب الكتاب: "مخطوفون، رهائن، أسرى، تجاهلوهم! لا يمكن إدارة الأمور بهذا التفكير".

أما وزير الدفاع يوآف غالانت، فأبلغ المجتمعين بأنه وجّه الجيش إلى عدم إجراء أي حوار أو إرسال رسائل إلى حماس، قائلاً: "من دون أي مفاوضات"، مضيفاً أنهم لن يتحدثوا مع إسرائيل إلا عندما يكونون على الأرض ورؤوسهم تحت الماء.

وتُظهر هذه التصريحات أن رفض التفاوض لم يكن مجرد نتيجة لتعقيدات ميدانية، بل كان موقفاً معلناً من مسؤولين كبار في القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية منذ اليوم الأول.

التعامل مع الرهائن كما لو أنهم قتلى

وفي شهادة أخرى يوردها الفصل، نقل العقيد المشار إليه بالحرف "ل"، وهو ضابط استخبارات في القيادة الجنوبية، إلى مرؤوسيه تقديراً مفاده أن المؤسسة العسكرية تتعامل مع نحو مئة رهينة نُقلوا إلى غزة باعتبارهم مئة قتيل.

وجاء ذلك في وقت لم تكن فيه القيادة الإسرائيلية قد حصرت أعداد المحتجزين أو تحققت من مصيرهم.

ومع انتهاء يوم القتال، وصل عدد الأشخاص الذين أبلغ أقاربهم وأصدقاؤهم عن فقدانهم إلى 3,164 شخصاً، دون معرفة من قُتل أو أُصيب أو أُسر، أو من نُقل إلى غزة حياً أو ميتاً.

هل كانت هناك فرصة لتجنّب اتساع الحرب؟

وتُظهر التفاصيل التي يوثقها الفصل الأول أن قضية الأسرى والمحتجزين لم تكن في صدارة الأولويات العسكرية الإسرائيلية خلال الساعات الأولى من السابع من أكتوبر، في وقت كانت فيه القيادة تفتقر إلى معلومات دقيقة عن أعدادهم ومصائرهم، بينما أعلن مسؤولون كبار داخل المجلس الوزاري المصغر رفض التفاوض مع حركة حماس.

ورغم أن الفصل لا يقدم تفاصيل عرض تفاوضي شامل كان من شأنه إنهاء الأزمة فوراً، فإنه يوثق أن مسؤولين كباراً استبعدوا التفاوض مبكراً، حتى قبل اتضاح العدد النهائي للمحتجزين ومصائرهم.

وتفتح هذه المعطيات باب التساؤل حول الفرص التي كان يمكن أن يتيحها مسار سياسي مبكر لإنقاذ حياة الأسرى، وتفادي مزيد من التصعيد العسكري الذي امتدت تداعياته إلى سكان قطاع غزة.