وكالة سوا الاخبارية - 10/11/2026 12:18:22 PM - GMT (+2 )
حين يتفاقم الانهيار الاقتصادي وتتعدد أزمات سوق العمل، تصبح محاولات المعالجة الفردية أو الأحادية محكومة بالفشل؛ فمستقبل الإنسان العامل والمنظومة الإنتاجية برمتها لا يمكن أن تحقق بمعزل عن تضافر الجهود الحقيقية بين أطراف الإنتاج والفاعلين في المجتمع، وإن إنقاذ قطاع العمل الفلسطيني وإعادة إعماره على أسس متينة يتطلب بالضرورة إرساء قواعد فعل مشترك وشراكة حقيقية وفاعلة بين الشركاء الاجتماعيين الأساسيين (الجهات الرسمية والحكومية، وأصحاب العمل وممثلي القطاع الخاص، والنقابات العمالية)؛ فهذه الأطراف تشكل معاً أضلاع المثلث التنموي الذي يقع على عاتقه مسؤولية تاريخية وأخلاقية لإخراج سوق العمل من دائرة الهشاشة والانهيار، وتجاوز تداعيات الحرب والعدوان وما تخلفه من معدلات بطالة قياسية وفاقت كل المستويات الحرجة، بالتوازي مع كسر قيود الاحتلال الإسرائيلي وسياساته القسرية في التحكم بالموارد والحدود وتفتيت الاقتصاد الوطني، وتجاوز آثار الانقسام السياسي التي عطلت توحيد التشريعات العمالية لفترات طويلة.
إن الدور المطلوب من الجهات الرسمية في ظل ما آلت إليه الأوضاع في سوق العمل بسبب الحرب والعدوان منذ السابع من أكتوبر 2023، يتجاوز حدود إدارة الأزمات وتقديم الحلول الإسعافية المؤقتة والبرامج الإغاثية، ليطال صياغة سياسات اقتصادية وتشريعية جريئة توفر البيئة الحاضنة للإنتاج وتضمن الحماية الاجتماعية الشاملة، ويتحقق ذلك عبر الإسراع في إنشاء إطار للحوار الاجتماعي يضم جميع الأطراف كبديل مؤسسي دائم للنقاش واتخاذ القرار، وتفعيل قانون الضمان والحماية الاجتماعية وتوسيع مظلته لتقديم الدعم الحقيقي للعمال في الحروب والكوارث والأزمات ومتى ألمت بالأيدي العاملة النكبات، بالإضافة إلى التعديل والتحديث المستمر لقانون العمل الفلسطيني ليواكب المستجدات والمتغيرات في سوق وعالم العمل، وتعزيز وتغليظ العقوبات على المنشآت غير الملتزمة بالحد الأدنى للأجور أو بشروط السلامة والصحة المهنية الشاملة.
وفي المقابل، تقع على عاتق أصحاب العمل والقطاع الخاص مسؤولية وطنية ومجتمعية تتجاوز منطق الربح السريع وتقليل التكاليف على حساب العمالة؛ إذ تستند هذه المسؤولية إلى الاستثمار في الإنسان العامل كشريك أساسي في البناء، من خلال الالتزام بالمعايير العادلة للعمل اللائق، وتوفير ظروف بيئية آمنة ومستدامة، والمساهمة الفاعلة في البرامج الوطنية للتدريب والتأهيل المهني الموجه نحو متطلبات السوق المستجدة، وخاصة في مراحل التعافي وإعادة الاعمار ومتطلبات السوق، أما المنظمات النقابية، فمطلوب منها مغادرة مواقع الجمود والتشرذم والهيكلية التقليدية، لتكون ممثلاً حقيقياً ومدافعاً شرساً ومقاوماً عن حقوق العمال والكادحين، عبر تبني آليات تنظيمية حديثة تكفل استقلالية العمل النقابي وشفافيته، وتمكنه من صياغة المبادرات وقيادة حوار اجتماعي منتج وضاغط نحو التغيير الإيجابي في شروط العمل وظروفه.
إن غياب هذا الحوار الاجتماعي الفاعل طوال الفترات الماضية ساهم في تعميق الأزمات وإضعاف قدرة المجتمع على مواجهة التحديات الكبرى والضغوطات الاقتصادية المتزايدة، ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة اليوم لصياغة "عقد اجتماعي عادل" يحدد بدقة التزامات كل طرف ضمن جدول زمني محدد ومؤشرات قياس واضحة للتعافي والأداء، ويؤسس لمرحلة جديدة تعيد الاعتبار لقيم العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهذا العقد لا ينبغي أن يكون مجرد وثيقة ورقية أو إعلان نيات صوري، بل يجب أن يتحول إلى برنامج عمل وطني ملزم يترجم إلى سياسات تنموية واضحة، تدمج الشباب والنساء في الاقتصاد المنتج، وتخلق فرص عمل لائقة ومستدامة، وتضمن توزيعاً عادلاً لأعباء وثمار التعافي الاقتصادي والمجتمعي دون إغفال للفئات الهشة والعمال غير المنظمين.
إن حماية الطبقة العاملة وصيانة كرامتها ليست مسؤولية فئة بعينها، بل هي اختبار حقيقي لجدية جميع الشركاء في بناء مجتمع صامد وقوي قادر على النهوض من بين ركام الحرب والدمار ومواجهة أعتى التحديات الهيكلية والسياسية، فحين تتكامل رؤى الحكومة والقطاع الخاص والعمال، وتترجم هذا التكامل أدوات وتدابير عملية ومؤسسية قابلة للتطبيق، تتحول الطاقات المعطلة إلى رافعة حقيقية للتنمية والمقاومة الصامدة، وتستعيد فلسطين إنسانها المنتج الذي طالما كان صانعاً للحياة ومقاوماً بسواعده على طريق الحرية والعدالة والتقدم.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


