وكالة سوا الاخبارية - 10/12/2026 3:54:27 PM - GMT (+2 )
لم تعد الحرب في غزة مجرد دمار طال البيوت والشوارع والمؤسسات، بل أصبحت واقعاً ثقيلًا يخيم على حياة جيل كامل من الشباب، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين فقدان الأمان، وتعطل التعليم، وغياب فرص العمل، وتراجع الأحلام، والخوف من مستقبل لم تعد ملامحه واضحة.
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد السؤال فقط: ماذا خسر الشباب في غزة؟ بل أصبح السؤال الأعمق: ماذا تبقى لهم من القدرة على الحلم؟ ومن يتحمل مسؤولية إنقاذ جيل يواجه تحديات تفوق قدرته على الاحتمال؟
الشباب هم طاقة المجتمع وعماد مستقبله، لكن شباب غزة وجدوا أنفسهم أمام ظروف استثنائية سلبتهم كثيراً من أبسط حقوقهم. فبدلاً من استكمال دراستهم الجامعية، أو البحث عن فرص العمل، أو تأسيس مشاريع صغيرة، أو التخطيط لبناء أسرهم، أصبح كثيرون منهم منشغلين بتأمين الاحتياجات الأساسية لعائلاتهم، والبحث عن مأوى آمن، ومحاولة النجاة من يوم إلى آخر.
ثلاث سنوات ليست مجرد فترة زمنية عابرة في حياة الشباب؛ إنها سنوات من أعمارهم وفرصهم وطموحاتهم. سنوات تعطلت خلالها مسارات التعليم والعمل والاستقرار، وأصبحت الأحلام مؤجلة بفعل واقع قاسٍ لا يملكون السيطرة عليه.
والمؤلم أن كثيراً من الشباب لم يعودوا يخططون لما يريدون تحقيقه بعد سنوات، بل باتوا يفكرون في كيفية تجاوز الأيام المقبلة. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب: أن يتحول المستقبل من مساحة للأمل والطموح إلى مصدر للقلق والخوف.
لا يمكن قياس آثار الحرب على الشباب بعدد المنازل المدمرة أو المؤسسات المتضررة أو فرص العمل المفقودة فقط؛ فهناك جروح لا تظهر في الصور، لكنها تترك آثارًا عميقة في النفس والسلوك والعلاقات الاجتماعية.
شباب عاشوا الخوف والنزوح وفقدان الأحبة، وشاهدوا أحلامهم تتساقط أمام أعينهم، باتوا يواجهون ضغوطاً نفسية واجتماعية متراكمة. بعضهم فقد القدرة على التخطيط للمستقبل، وبعضهم يشعر بالعجز أمام واقع لا يملك تغييره، فيما يحاول آخرون التماسك من أجل أسرهم رغم ما يحملونه من ألم وقلق.
إن استمرار هذه الظروف دون توفير الدعم النفسي والاجتماعي الملائم قد يفاقم مشاعر الإحباط والعزلة، ويضعف قدرة الشباب على المشاركة في الحياة العامة. لذلك، فإن التعافي لا يبدأ بإعادة بناء المباني وحدها، بل يتطلب أيضاً ترميم الإنسان، واستعادة ثقته بنفسه ومجتمعه، ومنحه فرصة حقيقية لاستعادة توازنه.
من أخطر التحولات التي فرضتها الحرب اتساع الشعور بانسداد الأفق لدى الشباب. فحين تتراجع فرص العمل، وتتضرر المؤسسات التعليمية، وتغيب البيئة المناسبة لبناء المستقبل، تصبح الهجرة لدى كثيرين وسيلة للبحث عن الأمان والكرامة والفرصة.
لا يجوز أن نلوم الشباب لأنهم يريدون حياة آمنة، أو يسعون إلى استكمال تعليمهم، أو يبحثون عن عمل يتيح لهم إعالة أسرهم وتحقيق طموحاتهم. فمن حق كل شاب أن يحلم بمستقبل أفضل، ومن واجب المجتمع ومؤسساته توفير الظروف التي تجعل البقاء خياراً ممكناً، لا معاناة إضافية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في رغبة الشباب في السفر وحدها، بل في أن يشعروا بأن الرحيل هو الطريق الوحيد المتاح أمامهم. فغزة التي تحتاج إلى إعادة بناء الحجر، تحتاج أيضاً إلى عقول أبنائها وخبراتهم وطاقاتهم. ولا يمكن الحديث عن مستقبل مستدام إذا فقد الشباب الثقة بإمكانية بناء حياة كريمة على أرضهم.
على الرغم من أهمية الشباب في بناء المجتمع، فإن تمكينهم لا يزال بحاجة إلى خطوات عملية تتجاوز الخطابات والشعارات والفعاليات الموسمية.
فالشباب ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى المساعدات، بل هم شركاء في تحديد الأولويات وصياغة الحلول والمشاركة في صناعة القرار. وتتطلب المرحلة المقبلة فتح المجال أمام المبادرات الشبابية، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، وتوفير مساحات آمنة للحوار والتعبير، وإشراك الشباب والنساء في النقاشات المتعلقة بالتعافي وإعادة الإعمار.
إن الشباب الذين يعيشون آثار الحرب يومياً أقدر على التعبير عن احتياجاتهم، ويجب أن يكون لهم صوت مسموع في القرارات التي تحدد مستقبلهم. فإعادة بناء المجتمع تتطلب شراكة حقيقية تقوم على الثقة والمسؤولية والمشاركة، لا الاكتفاء بتمثيل الشباب في المناسبات.
لا يمكن الحديث عن مستقبل الشباب بمعزل عن وقف الحرب، وتوفير الأمن، وضمان الحقوق الأساسية، وإعادة بناء ما دمرته سنوات الصراع. لكن الاستجابة لا ينبغي أن تتوقف عند توفير الغذاء والمأوى والمساعدات الطارئة، بل يجب أن تمتد إلى التعافي الاقتصادي والتعليمي والنفسي والاجتماعي.
يحتاج شباب غزة إلى استعادة فرص التعليم والتدريب المهني، وإطلاق برامج للتشغيل ودعم المشاريع الصغيرة، وتوفير المنح الدراسية، إلى جانب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
كما تقع مسؤولية كبيرة على المؤسسات الحكومية والأهلية والجهات الدولية المانحة لتطوير برامج تستجيب للاحتياجات الفعلية، وتمنح الشباب دوراً حقيقياً في التخطيط والتنفيذ والتقييم.
فالمطلوب ليس فقط مساعدة الشباب على تجاوز آثار الحرب، بل تمكينهم من المشاركة في بناء مجتمعهم، وتحويل المبادرات الفردية إلى فرص مستدامة، وتوفير بيئة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص.
إن إعادة الإعمار لا تعني إعادة بناء الحجر وحده؛ فبناء الإنسان، واستعادة الثقة، وترميم العلاقات الاجتماعية، وخلق فرص عادلة للشباب، عناصر أساسية في أي عملية تعافٍ حقيقية.
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لا يحتاج شباب غزة إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاجون إلى خطوات عملية تعيد إليهم الشعور بأن المستقبل ما زال ممكناً. يحتاجون إلى فرص حقيقية للتعلم والعمل والمشاركة، وإلى بيئة تحترم كرامتهم وتمنحهم الحق في الاختيار والحلم والتخطيط لحياتهم.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال شباب غزة في الألم أو تصويرهم بوصفهم جيلًا ضائعاً؛ فبين الركام ما زالت هناك طاقات تحاول التعلم، ومبادرات تسعى إلى مساعدة الآخرين، وشباب يتمسكون بالحياة ويبحثون عن فرص جديدة رغم قسوة الواقع. هذه الطاقات تستحق الاحتضان والدعم، لا الاستنزاف والتجاهل.
إن الرهان على شباب غزة ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل ضرورة وطنية ومجتمعية. فهؤلاء هم من سيشاركون في إعادة بناء ما دمرته الحرب، واستعادة النسيج الاجتماعي، وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح، وصناعة مستقبل أكثر عدلًا واستقراراً.
إن بناء غزة من جديد لا يبدأ بتشييد المنازل وحدها، بل يبدأ أيضاً باستعادة ثقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه، وفتح الأبواب أمام الشباب للمشاركة في صناعة القرار، وتحويل طموحاتهم إلى برامج وفرص واقعية.
إن السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس: ماذا يريد شباب غزة من المستقبل؟ بل: ماذا فعلنا نحن حتى نمنحهم فرصة حقيقية ليكون لهم مستقبل؟
فالشباب لا يحتاجون إلى من يطلب منهم الصمود فحسب، بل إلى من يمنحهم أسباب الحياة الكريمة، ويفتح أمامهم أبواب الأمل والعمل والمشاركة. لأن إنقاذ شباب غزة هو، في جوهره، إنقاذ لمستقبل المجتمع بأكمله.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


