وكالة سوا الاخبارية - 10/12/2026 7:37:29 PM - GMT (+2 )
لم تعد الأزمة الفلسطينية تحتمل إدارة الوقت بدلًا من إدارة الصراع، ولا قرارات منفردة تعمّق أزمة الشرعية وتُبقي النظام السياسي أسيرًا للانقسام والعجز والترتيبات الفئوية وشبهات التوريث. فتأجيل الانتخابات، بعد تجربة عام 2021، لا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً عابرًا أو خلافًا على موعد جديد؛ فهو يمس جوهر الأزمة الوطنية: غياب آليات ملزمة لتجديد الشرعيات، والانفراد بالقرار، وتراجع قدرة الحركة الوطنية على المبادرة في مواجهة مشروع إسرائيلي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية وفرض وقائع على الأرض تقوّض إمكانية تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
حوار عاجل بجدول زمني ملزم
المطلوب ليس حوارًا آخر مفتوحًا على المماطلة، ولا توافقًا لفظيًا يرحّل الخلافات إلى موعد لاحق، أو يمنح أي طرف حق النقض والتعطيل، أو يُستخدم فقط لتمرير قرار تأجيل الانتخابات. فقد استمرت الحوارات الوطنية السابقة سنوات من دون تنفيذ ما اتُّفق عليه، الأمر الذي يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا يثق المواطن بأن هذا الحوار سيكون مختلفًا؟
إن إعلان بكين، الذي حظي بإجماع القوى الفلسطينية، لا يحتاج إلى إعادة إنتاج التوافقات، بل إلى آلية عملية لتنفيذه، تبدأ بالدعوة الفورية إلى اجتماع الإطار القيادي المؤقت، الذي كان ينبغي أن ينعقد قبل أكثر من عامين، وفقًا لما نص عليه الإعلان الصادر في بكين في 23 تموز/يوليو 2024. وتتمثل مهمة هذا الاجتماع في وضع خريطة طريق واضحة ومحددة زمنيًا للإنقاذ الوطني، وتنفيذ بنود الإعلان، وترسيخ الشراكة في تحمّل المسؤولية، ونقل القيادة من حالة الانتظار المزمن وانعدام المبادرة إلى موقع الفعل والتأثير في مواجهة المخاطر المحدقة بالقضية الوطنية.
ويجب أن ينطلق الاتفاق من مبدأ لا يحتمل التأويل: لا يجوز الانفراد بالقرار الوطني، ولا أن يصبح تأجيل الانتخابات مدخلًا لإلغائها أو تمديدًا مفتوحًا للواقع القائم. فتجربة عام 2021، وما سبقها، تفرض ألا نكتفي بتحديد موعد جديد، بل أن نضع ضمانات عملية تحول دون تكرار ما حدث، وتمنح المواطنين الثقة بجدية العملية الانتخابية؛ فهذه الضمانات أهم من مجرد الإعلان عن موعد.
ويقتضي ذلك الالتزام بالموعد المتفق عليه، ومعالجة العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات، وفي مقدمتها الانفراد بقرارات التأجيل والتقديم، وتمكين لجنة الانتخابات المركزية من أداء مهامها باستقلالية كاملة، ونشر تقارير دورية عن مدى جاهزية العملية، ووضع ترتيبات قانونية واضحة للتعامل مع الظروف الاستثنائية، حتى لا يُترك مصير الانتخابات لقرار أحادي أو لتقديرات سياسية مفتوحة.
حكومة وفاق وطني بتفويض وطني شامل
يعتبر تشكيل حكومة وفاق وطني ذات ولاية تنفيذية محددة، تتولى إدارة شؤون الضفة الغربية وقطاع غزة ، أحد المرتكزات الأساسية لخريطة الطريق. وينبغي أن تستند هذه الحكومة إلى تفويض وطني شامل واتفاق واضح بين القوى الفلسطينية، لا إلى تفاهمات ثنائية أو ترتيبات مفروضة من الخارج.
ولا ينبغي أن تكون مجرد صيغة إدارية لتسكين الأزمة، بل أداة لاستعادة وحدة القرار والمؤسسات، وتهيئة شروط الانتقال الديمقراطي، ومواجهة تحديات الاحتلال. وتتمثل أولوياتها في ضمان الإغاثة الفورية لأهلنا في قطاع غزة، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتوحيد المؤسسات والإدارة العامة في الضفة والقطاع، وتعزيز صمود الفلسطينيين في مواجهة الاستيطان والإرهاب الاستيطاني والتطهير العرقي، وحماية الحريات العامة وتهيئة بيئة سياسية تسمح بالتنافس الانتخابي الحر.
ويجب أن يحدد الاتفاق صلاحيات الحكومة وفقًا للنظام الأساسي، وآليات الرقابة عليها، وأن يربط عملها بجدول زمني قابل للتقييم والمساءلة. فالحكومة الانتقالية ليست بديلًا عن الانتخابات، بل ضمانة أساسية لإجرائها في موعدها المقرر.
كما يمنحها هذا التفويض أساسًا وطنيًا للتعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية، ومواجهة الاشتراطات السياسية والعقبات الأمنية والإدارية التي تحاول إسرائيل فرضها لإعاقة الإغاثة والإعمار وتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات. فبدلًا من التعامل مع مراكز فلسطينية متنافسة أو قيادة محدودة التفويض، سيكون أمام الأطراف الخارجية عنوان وطني مسؤول يستند إلى اتفاق جامع، ويملك القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، ويخضع للمساءلة أمام شعبه.
تجديد الشرعيات وإعادة بناء النظام السياسي
لا يمكن لخريطة الإنقاذ أن تقتصر على الحكومة والانتخابات، فيما تبقى منظمة التحرير ومؤسساتها وأطر التمثيل الوطني خارج مسار الإصلاح. لذلك، ينبغي أن يتضمن الاتفاق تشكيل لجنة تحضيرية جديدة للمجلس الوطني، تضم رئاسة المجلس والأمناء العامين للفصائل وشخصيات مستقلة بارزة، وتشمل جميع القوى السياسية دون استثناء.
وتتولى اللجنة إعداد مسار زمني واضح لإعادة بناء وتشكيل المجلس الوطني على قواعد التوافق الديمقراطي، والتمثيل عبر الانتخابات حيثما أمكن، وترتيبات توافقية انتقالية حيث تتعذر، بما يضمن تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات، ويعيد وصل مؤسسات منظمة التحرير بمتطلبات التحرر الوطني وتجديد الشرعية.
وبالتوازي، ينبغي فتح المجال أمام حراك وطني ديمقراطي أوسع، يضم القوى والشخصيات المستقلة والكفاءات الوطنية والشباب والنساء ومؤسسات المجتمع المدني. ويمكن لحراك فتحاوي ديمقراطي، بالتفاعل مع مختلف القوى الوطنية، أن يسهم في بناء ميزان ضغط يمنع احتكار القرار ويعيد الاعتبار للتعددية داخل الحركة الوطنية. كما يمكن بحث إمكانية التقاء القوى الساعية إلى بناء قائمة وطنية عريضة على برنامج مشترك، يتيح مشاركة قوى وشخصيات متعددة، من دون تحويل التكتل الانتخابي إلى اصطفاف مغلق ضد أي مكوّن فلسطيني آخر.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور القائد مروان البرغوثي وسائر الشخصيات الوطنية القادرة على الإسهام في بناء توافق واسع حول تجديد الشرعيات واحترام التعددية وتداول المسؤولية. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج التوازنات القائمة، بل فتح أفق سياسي يتيح للشعب الفلسطيني اختيار ممثليه وتحديد أولوياته بحرية.
فالإنقاذ الوطني لا يتحقق بمجرد جمع الفصائل حول طاولة واحدة، بل بتحويل التوافق إلى قواعد ملزمة تحكم ممارسة السلطة واتخاذ القرار، وتمنع الاستفراد، وتضمن خضوع المؤسسات للمساءلة الشعبية.
من متلقي الوقائع إلى صانع المبادرة
تواجه القضية الفلسطينية مشروعًا إسرائيليًا يسعى إلى فرض وقائع سياسية وجغرافية وديمغرافية جديدة، فيما يُبقي الفراغ السياسي الفلسطيني القيادة في موقع المتلقي لما يُفرض عليها، بدلًا من المبادرة إلى صياغة البدائل وبناء التحالفات القادرة على التأثير.
لذلك، ينبغي أن تكون خريطة الطريق مدخلًا لاستعادة المبادرة الوطنية، لا مجرد تسوية داخلية لأزمة الانتخابات. فالحكومة ذات التفويض الوطني الشامل، والمصالحة المؤسسية، وتجديد الشرعيات، ووحدة التمثيل الوطني، تشكل مجتمعة أساسًا لاستراتيجية سياسية ودبلوماسية تتفاعل مع المحيط العربي والمجتمع الدولي، وتواجه محاولات تجاوز الحقوق الفلسطينية أو فرض حلول انتقائية على حساب حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال الوطني.
ويقتضي ذلك أن يكون الاتفاق الفلسطيني واضحًا في أهدافه: إنهاء الاحتلال، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حقوق اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية، ورفض الفصل بين غزة والضفة الغربية، والتصدي لمشاريع التهجير والضم والتصفية السياسية. فالوحدة ليست غاية إجرائية في ذاتها، بل شرط لاستعادة القدرة على الفعل الوطني وتحويل التضحيات الهائلة إلى إنجازات سياسية دائمة.
إن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها، ومن انتظار المبادرات الخارجية إلى بناء مبادرة فلسطينية مستقلة، ومن توافقات النخب المغلقة إلى شراكة وطنية تستمد شرعيتها من الشعب.
وعليه، ينبغي أن ينتهي الحوار الوطني بخريطة طريق تنفيذية قصيرة المدى، واضحة المسؤوليات والمواعيد، تتضمن تشكيل حكومة وفاق وطني، وضمانات إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإعادة بناء المجلس الوطني، وآليات للمتابعة والمساءلة تحول دون العودة إلى نقطة الصفر.
فالاختبار الحقيقي ليس ما إذا كانت القيادة ستوافق على هذه المبادئ، بل ما إذا كانت ستقبل إخضاع قرارها لقواعد وطنية ملزمة تمنع الانفراد وتضمن التنفيذ. ومن دون ذلك، سيظل التأجيل قابلًا للتحول إلى إلغاء مقنّع، وسيبقى النظام السياسي عاجزًا عن استعادة شرعيته ومبادرته. أما تحويل الحوار إلى التزام قابل للتنفيذ، فيمكن أن يفتح الطريق أمام إنقاذ وطني يعيد للشعب حقه في اختيار قيادته، وللحركة الوطنية قدرتها على الفعل، وللقضية الفلسطينية مكانتها بوصفها قضية تحرر وطني وحق في تقرير المصير، لا ملفًا تديره الشروط والوقائع التي يفرضها الآخرون.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


