إغلاق الطرق وقطع المياه.. أدوات الاحتلال والمستوطنين لتهجير الفلسطينيين
شبكة قدس الإخبارية -

الضفة المحتلة- شبمة قدس الإخبارية:

تواجه 47 عائلة فلسطينية في خربة الرأس الأحمر، جنوب شرقي طوباس، خطر التهجير القسري في ظل حصار مشدد مستمر منذ نحو شهر، تتداخل فيه قيود الحركة ومنع وصول المياه والأعلاف مع تهديدات المستوطنين بإجبار السكان على الرحيل. وغادرت أربع عائلات التجمع بالفعل، عقب اقتحام مساكنها وتهديد أفرادها بالقتل من مستوطنين مسلحين، فيما تتواصل الإجراءات التي تضيق سبل الحياة أمام بقية العائلات وتهدد مصادر رزقها.

ولا يقتصر الحصار على إغلاق الطرق أو الوجود الاستيطاني قرب المساكن، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان؛ إذ يضطرون إلى الخروج فجراً لقضاء احتياجاتهم، وتأمين كميات محدودة من المياه ليلاً تجنباً للملاحقة. ومع إغلاق المنافذ تباعاً، حُفر خندق في منتصف أيلول/سبتمبر الماضي عند آخر منفذ متبقٍ إلى التجمع، لتصبح محاولة إدخال الاحتياجات الأساسية للأسرة والماشية محفوفة بمخاطر الاحتجاز ومصادرة وسائل النقل الزراعية.

وفي 27 أيلول/سبتمبر الماضي، احتجزت قوات الاحتلال الإسرائيلي جراراً تابعاً لمجلس قروي عاطوف وسائقه عدي بشارات، أثناء نقله الأعلاف للمواشي. وفي الثالث من تشرين الأول/أكتوبر، وُثّق اعتقال ثلاثة مزارعين والاستيلاء على شاحنة، بالتزامن مع تفتيش المساكن وتصويرها وفحص هويات السكان. وتكشف هذه الإجراءات حجم القيود المفروضة على الحركة، إذ بات توفير الغذاء للماشية والاحتياجات اليومية مهمة محفوفة بالمخاطر، في تجمع يعتمد سكانه على الزراعة وتربية الأغنام لتأمين معيشتهم.

ويمتد التضييق إلى مصادر المياه التي تشكل أساساً لبقاء التجمع واستمرار نشاطه الزراعي والرعوي. ففي 19 أيلول/سبتمبر، نُقل عن رئيس مجلس قروي عاطوف والرأس الأحمر، عبد الله بشارات، أن الاحتلال هدم ستة آبار ارتوازية خلال الشهر السابق، وصادر مضخات وقطع خطوط المياه كلما أعاد السكان تمديدها. ومع تعطيل مصادر المياه ومنع وصول الأعلاف وإغلاق الطرق، تتراكم الضغوط على السكان، وتتراجع قدرتهم على رعاية مواشيهم وزراعة أراضيهم.

وفي العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، أمهل مستوطنون 47 عائلة حتى مساء اليوم التالي لإخلاء مساكنها، في تهديد مباشر يضع التجمع أمام خطر التهجير الجماعي. ويتزامن ذلك مع تصاعد القيود على الحركة في الأغوار الشمالية، حيث نصبت قوات الاحتلال بوابة حديدية على مفترق خربة يرزا وعينون، شرق طوباس، في خطوة إضافية تعرقل تنقل المواطنين وتزيد القيود المفروضة على المنطقة.

وتقع خربة الرأس الأحمر شرق بلدة طمون، جنوب شرقي مدينة طوباس، في الجزء الشمالي من سهل البقيعة بالأغوار الشمالية. ويقيم سكانها في خيام ومساكن، ويعتمدون بصورة أساسية على تربية الأغنام وزراعة الأراضي المحيطة، ما يجعل الوصول إلى المراعي والمياه والطرق ضرورة لاستمرار حياتهم. ويتعرض التجمع منذ سنوات لعمليات هدم وإخطارات وتدريبات عسكرية، بذريعة تصنيف المنطقة مغلقة عسكرياً، فيما تتواصل القيود التي تهدد استقرار السكان في أراضيهم.

ولا تبدو الوقائع في الرأس الأحمر حالة منفصلة عن أنماط التضييق التي تشهدها تجمعات فلسطينية أخرى في الضفة الغربية، إذ تتكرر إجراءات الحصار وإغلاق الطرق والاعتداء على المساكن وملاحقة السكان، بما يتجاوز الاعتداءات المباشرة إلى فرض ظروف معيشية تدفع العائلات نحو الرحيل.

وفي جالود جنوب نابلس، تحوّل الحصار الممتد إلى وسيلة لإجبار عائلة على مغادرة منزلها. فقد وُثّق إجبار عائلة محمود الطوباسي على الرحيل في 22 تموز/يوليو الماضي، بعد حصار استمر أكثر من ثلاثة أشهر، تخللته اعتداءات يومية وإحراق المنزل، قبل استيلاء مستوطنين عليه. وتوضح هذه الحالة كيف يمكن أن ينتهي الضغط المتواصل إلى إخلاء المنازل والاستيلاء عليها، بعد إنهاك العائلات وتعريضها للخطر بصورة يومية.

وفي بلدة قصرة جنوب نابلس، امتد الحصار إلى ثلاثة منازل في منطقة رأس العين، حيث مُنعت العائلات من الدخول والخروج وتعرضت الخدمات للقطع. وعندما حاول طاقم البلدية إعادة الكهرباء، هاجمه مستوطنون، قبل أن تحتجز قوات الاحتلال ثلاثة من أفراده. وفي 26 آب/أغسطس، نصب جيش الاحتلال بوابة على الطريق الوحيد المؤدي إلى المنازل المحاصرة، ما زاد صعوبة الوصول إليها وتقديم المساعدة لسكانها.

أما في أم صفا شمال غرب رام الله، فيتداخل إنشاء البؤر الاستيطانية مع التضييق على المنازل الفلسطينية المجاورة. ففي تموز/يوليو، نُصبت خيمة لمستوطنين على بعد نحو 50 متراً من منزل محمد عبيات، ما أدى إلى عزل عائلته عن محيطها، فيما نقلت تقارير مطلع تشرين الأول/أكتوبر استمرار محاصرة قوات الاحتلال للمنزل لليوم الخامس. وتبرز هذه الحالة كيف يمكن للوجود الاستيطاني القريب من المنازل أن يتحول إلى مصدر تهديد مستمر للسكان.

وفي واد الرخيم بمسافر يطا جنوب الخليل، استمر حصار منزل يوسف شناران، وفق توثيق نُشر في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، لليوم الثالث على التوالي، بحماية قوات الاحتلال، مع منع عائلته المكونة من عشرة أفراد من الخروج وعرقلة الوصول إليها. ويكشف تكرار هذه الحالات في مناطق متباعدة من الضفة الغربية اتساع دائرة الضغط على العائلات الفلسطينية، حين تتواصل الاعتداءات وتُغلق طرق الوصول ويُمنع تقديم الإسناد للسكان المحاصرين.

وتشير هذه الوقائع إلى دور الإجراءات العسكرية في تعزيز الحصار الذي يفرضه المستوطنون، سواء عبر إغلاق الطرق أو إقامة البوابات أو احتجاز من يحاولون إيصال الخدمات والمساعدات. ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستوطنون خلال عام 2025 نحو 4,723 اعتداءً، فيما سُجّل 720 اعتداءً بشراكة مباشرة بين قوات الاحتلال والمستوطنين.

وعلى نطاق أوسع، وثقت الهيئة 14,742 اعتداءً نفذها المستوطنون وطالت 376 قرية وتجمعاً فلسطينياً خلال الأعوام الثلاثة الممتدة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأسفرت عن استشهاد 67 مواطناً، إلى جانب إشعال 1,182 حريقاً. وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق الاعتداءات، فيما تظهر حالات الحصار أن آثارها لا تنتهي بانتهاء الاقتحام، بل تستمر عبر تعطيل مصادر الرزق وتقييد الحركة وحرمان السكان من الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية.

وفي الرأس الأحمر، تتجمع هذه الأدوات في مسار واحد: تهديد السكان بالقتل والرحيل، وإغلاق المنافذ، وعرقلة وصول المياه والأعلاف، واستهداف وسائل النقل والموارد الزراعية. ومع مغادرة أربع عائلات بالفعل وتلقي بقية العائلات مهلة لإخلاء مساكنها، يزداد خطر تحول الحصار إلى تهجير فعلي للتجمع.

وتتطلب حماية العائلات في الرأس الأحمر فتح الطرق والمنافذ، وضمان وصول المياه والأعلاف والخدمات، ووقف الاعتداءات والتهديدات التي تستهدف السكان وممتلكاتهم، ومحاسبة المسؤولين عنها. فاستمرار الحصار لا يهدد مساكن العائلات وحدها، بل يضرب مقومات بقائها في أرضها، ويهيئ الظروف للاستيلاء عليها، في نمط يتكرر في أكثر من تجمع فلسطيني في الضفة الغربية.