شبكة راية الإعلامية - 10/13/2026 12:52:23 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. عدنان ملحم
▪️ في أوقات متباعدة ، أزور مدينة جنين؛ مرة للتبضع ، ومرة للتجوال بين شوارعها ومحلاتها وناسها الطيبين .
يوم السبت الماضي ، كانت شوارع المدينة مكتظة بالزائرين من أبناء شعبنا القاطنين في فلسطين التاريخية ، أراضي عام 1948. وعلى ناصية شارع مزدحم بالمحلات التجارية، لفت انتباهي رجل خمسيني يجلس بثياب بسيطة ونظيفة .
دققت النظر في وجهه . أعرفه جيدا ؛ إنه أبو علي، من محافظة بعيدة عن هنا .
وقفت بعيدا ، متواريا عن مرمى عينيه. لم أشأ أن أقترب منه؛ فأنا أعرف ظروفه كاملة . كان يعمل في الداخل الفلسطيني حتى تشرين الأول من عام 2023. وحين أغلقت إسرائيل المعابر ومنعت العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أعمالهم، انقطع مصدر رزقه، وتوقفت عجلة الحياة في بيته .
لأبي علي أربعة أبناء يدرسون في الجامعات، وقرض بنكي أخذه لإكمال بناء بيت العمر، وشيكات وديون لأصحاب محلات وشركات تعامل معها في مشروعه. واليوم، هو مطارد بأمر حبس؛ لأنه لم يعد قادرًا على سداد ديونه .
▪️ في مطعم شعبي أرتاده لشراء الفول والحمص والفلافل، التقيت شابًا اسمه يوسف، يعمل في خدمة الزبائن. قبل أيام، وجدته ويده مكسورة ومجبسة .
سألته: " سلامات يا طيب؟ ".
قال إن المستوطنين هاجموا أفراد أسرته وهم يقطفون الزيتون، وضربوهم وطردوهم من أرضهم، وسرقوا محصولهم .
حدثني عن خمسة عشر عاما قضاها في السجن بسبب نشاطه في الانتفاضة الثانية. قطع راتبه، فالتحق بهذا العمل ليعيل أسرته.
ضحك بمرارة وقال: " جماعتك علمونا الوطنية والنضال، وبعدين قطعوا الحبل فينا ".
يوسف أيضا مطارد بأمر حبس ، بسبب شكوى من إحدى الشركات الكبرى ، نتيجة ديون مالية مستحقة عليه . قال لي: " والله أعرف ديوني وتقصيري ، لكن ليس في اليد حيلة ولا قدرة!".
▪️ أما جمال ، فهو مدرس شهم ونبيل ووطني . قابلته صدفة في مصنع لتعبئة التمور ، يعمل فيه بعد انتهاء دوامه الرسمي .
قال لي: " أسرتي كبيرة، وزوجتي مريضة بالكلى، وأولادي في المدارس الحكومية، ولا مناص من العمل المتواصل حتى أوفر لهم احتياجاتهم ".
جمال يعمل في وظيفتين، ومع ذلك لم تكفه موارده. تراكمت عليه الديون، وصدرت بحقه أوامر حبس بسبب شكاوى من دائنين.
▪️ ثلاثة رجال، ثلاث حكايا، ووجع واحد. عامل فقد عمله، ومناضل قُطعت مخصصاته، ومدرس يعمل بعد دوامه الرسمي. ثلاثة مواطنين يحاولون أن يبقوا واقفين، وأن يطعموا أبناءهم، وأن يسددوا ما عليهم، فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام الديون والمحاكم وأوامر الحبس .
هناك خط واضح يفصل بين المتعثرين والنصابين، ويجب التمييز بينهما. نحن نتحدث عن الفقراء والمحتاجين والمسخمطين، وعن الموظفين الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا مال ولا ثروات ولا مشاريع، ولا يملكون إلا رواتبهم .
وهنا لا بد من السؤال بصوت عالٍ: كيف لنظام حكومي عاجز عن تأمين مستحقات موظفيه المالية، ومساعدة مواطنيه على مواجهة الفقر والجوع والبطالة، أن يجد الوقت والقدرة على مطاردتهم وحبسهم لأنهم عجزوا عن سداد ديونهم؟ .
هؤلاء ليسوا حرامية أو نصابين، بل هم ضحايا الحالة والحصار على وطنهم. أعطوهم مستحقاتهم، ثم حاسبوهم ! .
نحن لا نتحدث عن أرقام في تقارير مالية ، بل عن أبي علي ويوسف وجمال ؛ عن آباء وأسر وأبناء ومرضى وبيوت تنتظر لقمة العيش .
حين يصبح الفقر قضية أمنية ، ويصبح الدين طريقًا إلى السجن ، فعلينا أن نتوقف قليلا ونسأل: أين الخلل؟ ومن يدفع ثمنه؟ أين حكماء البلد؟ أين رجال القانون والسياسة ؟ أين شيوخ الانتفاضات والعمل المجتمعي والوطني؟ .
هذه ليست حكايات هامشية من قاع البلد . هذه حكايات البلد نفسها .
💢 ملاحظة مهمة: المشكلة ليست في تطبيق القانون ، ولا في إعفاء الناس من ديونهم ، وإنما في التمييز بين من احتال وأكل حقوق الناس ، وبين من أعجزته الظروف عن السداد . حين يتحول التعثر الناتج عن الفقر وفقدان العمل وانقطاع الدخل إلى تهمة تستوجب الحبس ، يصبح القانون بحاجة إلى عقل اجتماعي يقرأ ظروف الناس ، لا إلى نص جامد يضيف إلى وجعهم وجعا آخر .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


