"مبادرات محلية" تواجه أزمة المياه الآمنة في غزة
وكالة سوا الاخبارية -

لم تعد أزمة المياه الصالحة للشرب في قطاع غزة ، مجرد مشكلة مرتبطة بنقص كميات المياه، بل تحولت إلى تحدٍ يومي يمس حياة السكان وصحتهم وقدرتهم على الوصول إلى أحد أبسط الاحتياجات الأساسية. ومع التضرر الواسع الذي لحق بالبنية التحتية للمياه نتيجة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ونقص الوقود وقطع الغيار ومواد التشغيل، برزت المبادرات المحلية والمنظمات الاغاثية كحلقة مهمة في محاولة سد جزء من الفجوة بين الاحتياج وما هو متاح.

وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن الاعتماد على نقل المياه بالصهاريج أصبح جزءًا أساسيًا من الاستجابة في غزة؛ ففي نهاية يوليو/ تموز 2026 كان نحو 75% من سكان القطاع يعتمدون على نقل المياه بالشاحنات باعتباره وسيلة رئيسية للوصول إلى مياه الشرب، فيما كانت الجهات العاملة في قطاع المياه تنقل نحو 20,850 مترًا مكعبًا يوميًا إلى 2,634 نقطة تجميع.

لكن خلف هذه الأرقام، توجد مبادرات محلية تحاول التعامل مع المشكلة من زاوية مختلفة: الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجًا، إنشاء نقاط لتحلية المياه، توفير المياه للنازحين، وتقليل المسافة التي يضطر السكان إلى قطعها للحصول على مياه آمنة.

سلامة أبو أحسون، نازح في مخيم الأقصى بمنطقة خان يونس، شرح أن طريقة حصولهم على مياه الشرب تعتمد على الصهاريج التي لا تصل بشكل يومي، ما يخلق معاناة في تأمين المياه بشكل مستمر. وأوضح أن جودة المياه ليست ثابتة؛ فهي أحياناً تكون نظيفة، وأحياناً أخرى يكون لها طعم غير مألوف. كما أشار إلى أنه عانى من أمراض في السابق لكنه لم يجزم إن كانت بسبب المياه أم لا، ما يعكس حالة من التردد والشك حيال العلاقة المباشرة بين الأمراض ونوعية المياه.

تحدث المستفيد نضال عبيدالله، المقيم في أحد المخيمات التابعة لمؤسسة كلين شليتر في منطقة المواصي بخان يونس، عن أهمية توفير مياه الشرب النظيفة والآمنة للنازحين داخل المخيم.

وأوضح أن توفير مياه الشرب يمثل حاجة أساسية للعائلات، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها، وأن المياه النظيفة تساعدهم على تلبية احتياجاتهم اليومية والحفاظ على صحتهم. كما عبّر عن تقديره للجهود المبذولة في توفير المياه للمخيم، مؤكدًا أن استمرار هذه الخدمة أمر ضروري للسكان.

فجوة كبيرة بين المتاح والاحتياج

ويقول مدير دائرة التشغيل والصيانة في مصلحة مياه بلديات الساحل في غزة أحمد الرباعي، إن كمية مياه الشرب المنتجة حاليًا في قطاع غزة تبلغ نحو 30 ألف مترا مكعبا يوميًا، وهي كمية وصفها بأنها "أقل من نصف الاحتياج".

وفيما يتعلق بجودة المياه يبين الرباعي أن المصلحة لديها قسمًا مختصًا بإجراء الفحوصات المخبرية على المياه، وتشمل هذه الفحوصات التحليل الكيميائي والفحص الميكروبيولوجي، للتأكد من خلو المياه من الملوثات والحفاظ على سلامتها للاستخدام.

وأضاف أن المصلحة أيضاً تجري عمليات تعقيم دورية لخزانات وصهاريج نقل المياه للحد من احتمالية تلوث المياه أثناء عملية النقل والتخزين.

وفي تقييم نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في يوليو 2026، أبرز أن 63% من الأسر التي شملها التقييم تحصل على أقل من ستة لترات من مياه الشرب للفرد يوميًا، بينما كان 75% منها يحصل على المياه مباشرة من الشاحنات، غالبًا في ظروف غير منتظمة ومزدحمة.

وأظهر رصد آخر للأمم المتحدة في أغسطس الماضي، أن 90% من السكان كانوا يواجهون انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الحصول على مياه آمنة ونظيفة وموثوقة للاستخدام اليومي، مع تسجيل مستويات مرتفعة من انعدام الأمن المائي في غزة وخان يونس ودير البلح.

لماذا دخلت المبادرات المحلية إلى ملف المياه؟

بالنسبة إلى أحمد الرباعي فإن المياه من أكثر الملفات أهمية بالنسبة لسكان القطاع، باعتبارها أساسًا لحياة الفرد، وهو ما دفع المبادرات المحلية التي تنفذها مؤسسات أهلية أو البلديات أو مؤسسات دولية إلى التدخل في هذا المجال. ولم تعد هذه المبادرات تقتصر على تقديم مساعدات عابرة، بل أصبحت في بعض الحالات تدير نقاطًا للمياه أو تنقل المياه إلى مناطق يصعب وصول السكان فيها إلى مصادر آمنة.

ويرى الرباعي أن هذه المبادرات ساهمت في سد فجوة كبيرة من أزمة مياه الشرب، سواء من خلال إنشاء محطات تحلية في المناطق المكتظة بالسكان أو من خلال نقل المياه بالصهاريج، معتبرا أن نقل المياه بالصهاريج يمثل حاليًا أسرع وسيلة للاستجابة، خصوصًا في ظل صعوبة إدخال المعدات اللازمة لإنشاء البنية التحتية للمياه.

من الصهاريج الى نقطة مياه

وتقدم مؤسسة المأوى النظيف (كلين شيلتير) المتخصصة في تقديم المساعدات الإنسانية والاستجابة للاحتياجات الأساسية للنازحين والمتضررين في قطاع غزة، نموذجًا عمليًا لكيفية انتقال المبادرة المحلية من الاستجابة للاحتياج إلى محاولة تنظيم وصول السكان إلى المياه، إذ توفر مياه الشرب لآلاف النازحين في مخيمات الإيواء المنتشرة في قطاع غزة.

وبحسب المنسقة العامة للمؤسسة كلين شيلتر في قطاع غزة هالة أبو دقة، فإن فكرة تدخل المؤسسة في ملف المياه جاءت بهدف تخفيف العبء عن النازحين واكتشاف المشكلات الموجودة ميدانيًا ومحاولة معالجة جزء منها.

وتوزع المؤسسة نحو 84 ألف لتر من مياه الشرب يوميا على 13 مخيمًا في منطقة مواصي خان يونس تحتضن نحو 42 ألفًا نازح.

وتعتمد المؤسسة في تحديد الاحتياجات والأولويات على الزيارات الميدانية للمناطق المحتاجة، إلى جانب استقبال المناشدات عبر قنوات التواصل، لتحديد الأماكن التي تعاني من نقص المياه.

أثر يتجاوز توفير المياه

ولا يقتصر أثر توفير المياه بالقرب من أماكن سكن النازحين على مواجهة العطش فقط، فقد أشارت أبو دقة إلى ملاحظة انخفاض في الإصابات ببعض الأمراض، وتراجع الازدحام نتيجة توفر المياه بشكل يومي، إلى جانب نشوء شعور أكبر بالمسؤولية لدى المستفيدين تجاه نقاط المياه.

كما ساهمت هذه التجربة في خلق روح تطوع بين السكان للمساعدة في تعبئة المياه والحفاظ على نقاط التوزيع، إذ كانت النساء وكبار السن والأطفال من أكثر الفئات استفادة، بسبب صعوبة وصولهم إلى سيارات المياه أو الصهاريج التي تشهد عادة ازدحامًا كبيرًا.

وهنا تظهر أهمية المبادرات المحلية ليس فقط باعتبارها وسيلة لإيصال المياه، وإنما باعتبارها وسيلة لإعادة تنظيم الوصول إليها بصورة أكثر قربًا من السكان، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة.

حل طارئ أم مستدام؟

رغم أهمية المبادرات، لا يرى العاملون في قطاع المياه أن جميع الحلول الحالية قادرة على الاستمرار على المدى الطويل. إذ تواجه عملية إنتاج المياه عقبات كثيرة أمام استمراريتها تتمثل في نقص محطات التحلية، وقلة مصادر الطاقة، وعدم توفر فلاتر المياه اللازمة للصيانة والتشغيل.

وبحسب أبو دقة، تواجه مؤسستها كلين شيلتر هذه العقبات من خلال التواصل المستمر مع عدد كبير من الموردين والشركات لتأمين قطع صيانة المحطات وفلاتر المياه، رغم صعوبة توفيرها بسبب النقص الحاد في قطاع غزة.

أما فيما يتعلق بالطاقة، فتعمل المؤسسة بالتعاون مع جهات أخرى، مثل مصلحة مياه بلديات الساحل والبلديات، لتوفير مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل المحطات واستمرار عملها.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن نقص الوقود وقطع الغيار والمواد التشغيلية يمثل بالفعل عائقًا أمام منظومة المياه في غزة، إذ أدى نقص المواد الكيميائية وقطع الغيار إلى انخفاض إنتاج تحلية مياه البحر، بينما تسبب نقص زيوت المحركات والزيوت المستخدمة في التشغيل في تعطيل خدمات المياه.

لا تبدو المبادرات المحلية، إذن، بديلًا عن منظومة إنتاج المياه الرسمية، بقدر ما يمكن أن تكون جزءًا من إعادة بنائها. ويرى الرباعي أن هناك إمكانية مستقبلية لربط عدد من الآبار ومحطات التحلية بشبكات البلديات، بما يمكن أن يحول بعض المشاريع الحالية من استجابة طارئة إلى مكونات ضمن منظومة مياه أكثر استدامة.

ويحتاج هذا الانتقال إلى دعم مادي وفني، خصوصًا توفير المواد اللازمة لحفر الآبار وإنشاء محطات التحلية، إضافة إلى الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات والمضخات- بحسب الرباعي.

ملاحظة : تم اعداد هذا التقرير ، ضمن مشروع ( تمكين الإعلام المهني والحوار المجتمعي في غزة ) الذي تنفذه مؤسسة بيت الصحافة ، والممول من الاتحاد الأوروبي، وبتنفيذ من قبل Expertise France وCFI. إذ تعبّر الآراء الواردة عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي أو Expertise France أو CFI

المصدر : وكالة سوا - عبدالله العثامنة

إقرأ المزيد