نُتقن الاحتفال... فمتى نُتقن النجدة؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: منير عارف قليبو

نُتقن الاحتفال... فمتى نُتقن النجدة؟

لسنا ضد الفرح، ولكننا نسأل: أين الحماسة نفسها حين يحتاج إلينا أهلنا؟

أتابع منذ أشهر الاستعدادات للمهرجانات والاحتفالات والفعاليات الثقافية والتراثية والتجارية في مدننا وقرانا. أراقب، بإعجاب أحياناً وبشيء من الحيرة والألم أحياناً أخرى، تلك القدرة العجيبة على التنظيم والحشد وجمع الأموال واستقطاب الرعاة والمتطوعين.

ما إن يُعلن عن مهرجان حتى تبدأ الحركة: لجان تحضيرية، واجتماعات متواصلة، وغرف تجارية، وبلديات، ووزارات، ومؤسسات أهلية، وشركات راعية، ومتطوعون وإعلاميون. تُصمَّم الشعارات، وتُعدّ البرامج، وتُطلق الحملات الترويجية، ويتسابق الجميع ليكون له دور في النجاح. وهذا في حد ذاته أمر جميل، يؤكد أن مجتمعنا يمتلك طاقات بشرية وتنظيمية لا يُستهان بها.

وما أكثر مناسباتنا! لدينا مهرجان بتير وسوق الباذنجان البتيري، ومهرجان العنب في الخليل، ومهرجانات الزيتون والمنتجات الزراعية، وأيام بيرزيت التراثية، ومهرجانات رام الله و»وين ع رام الله«، ونوار نيسان، وفعاليات مدينة البيرة وأسواقها، ومهرجانات نابلس وبيت لحم، ومهرجانات التراث الشعبي والفنون والحرف، ومعارض ومواسم تكاد لا تنتهي.

وأنا أحصر حديثي هنا في الضفة الغربية. لم أتحدث عن مدن الداخل وما تشهده من نشاط واسع، ولا عن القدس التي تحاول، رغم العزلة والتضييق، الحفاظ على حضورها الثقافي بمبادرات محدودة يتقدمها المسرح الوطني الفلسطيني »الحكواتي«.

وإذا أضفنا الأعراس والخطوبات وحفلات التخرج والتكريم، وجدنا أنفسنا أمام روزنامة لا تكاد تترك أسبوعاً دون مناسبة، وقاعات محجوزة قبل أشهر، وأحياناً قبل سنة. وإذا لم يكفنا الفرح هنا، سافرنا نبحث عنه في العقبة أو شرم الشيخ أو دبي.

ولا أقول إن في ذلك عيباً. من حق الناس أن تفرح، ومن حق الشباب أن يحتفلوا بتخرجهم، ومن حق المدن والقرى أن تحافظ على تراثها وأسواقها. فنحن شعب يعيش تحت الاحتلال، ويحتاج إلى مساحات من الفرح والأمل والجمال.

لكن هل يعني ذلك أن نُجيد الفرح وحده، وأن تتراجع قدرتنا على الفزعة حين تستدعيها المأساة؟

أين الفزعة للمزارعين؟

في الوقت الذي تنشغل فيه مؤسساتنا بالتحضير لمهرجان جديد، هناك مزارعون يُضربون ويُهانون. تُقتلع أشجارهم، وتُحرق محاصيلهم، ويُمنعون من الوصول إلى أراضيهم، ويشاهدون تعب أعوام طويلة يتبدد أمام أعينهم.

فأين الغرف التجارية التي تستطيع جمع رجال الأعمال خلال ساعات؟ وأين البلديات التي تنجح في تعبئة الموظفين والمتطوعين؟ وأين الوزارات والاتحادات، والقطاع الخاص الذي يموّل المناسبات ويرعاها؟

لماذا لا تتشكل لجان طوارئ اقتصادية لمساندة المزارعين؟ ولماذا لا تنظم الغرف التجارية حملات لشراء منتجاتهم وتسويقها؟ ولماذا لا تتبنى الشركات تعويض جزء من خسائرهم، ولا تُسخَّر قدراتنا الإعلامية لتعبئة المجتمع حول احتياجاتهم؟

أعرف أن مهرجانات العنب والزيتون والمنتجات المحلية تُقام أصلاً لمساندة المزارعين وتسويق محاصيلهم، وهذا جهد محمود. لكن لماذا لا تتحول هذه الجهود الموسمية إلى منظومة إسناد مستمرة، تعمل قبل المهرجان وبعده، وفي الأيام التي يتعرض فيها أصحاب الأرض للخطر؟

فما قيمة احتفالنا بشجرة الزيتون إذا لم نقف إلى جانب من يزرعها ويحميها؟ وما قيمة شعارات الأرض والصمود إذا لم تتحول إلى برامج عمل وميزانيات ومتابعة؟

»دعوا الناس تفرح«... إلى متى؟

كلما طرحنا هذه الأسئلة، سمعنا الإجابات المعتادة: »دعوا الناس تفرح!«، »حرام، الناس تعبت!«، »ألا يحق لمن يعيش تحت الاحتلال أن يفرح؟«

وكأن السؤال عن مسؤولياتنا الوطنية أصبح اعتراضاً على الفرح، وكأن علينا الاختيار بين الحياة والواجب.

نحن لا نسأل لماذا نفرح، بل لماذا لا نتحرك بالحماسة نفسها عندما يحتاج إلينا أهلنا. لماذا يكون إنجاح مهرجان مسؤولية جماعية، بينما تصبح مساندة المزارع مبادرة فردية تنتظر من يتبرع لها؟ ولماذا تتحرك مؤسساتنا بسهولة للمناسبة الاحتفالية، ثم تصبح الإجراءات معقدة والموارد شحيحة حين يتعلق الأمر بحماية مصدر رزق عائلة فلسطينية؟

لسنا شعباً يعيش في ظروف طبيعية

نحن لا نعيش في دولة مستقلة ذات سيادة واقتصاد مستقر. القدس معزولة ومؤسساتها تحت التضييق، وغزة تواجه آثار حرب مدمرة وفقداناً هائلاً في الأرواح والممتلكات، والضفة تعيش اعتداءات المستوطنين والحواجز وتقطيع أوصال الأرض.

وهناك عشرات الآلاف من العمال الذين فقدوا عملهم في إسرائيل ولم يجدوا البديل، وشباب يبحثون عن عمل، وموظفون ومعلمون يعانون من أزمات الرواتب. فأين الفزعة الاقتصادية لهؤلاء؟ وأين الحوار الاجتماعي الحقيقي بين الحكومة وأصحاب العمل والنقابات لوضع خطط تستجيب لهذه الأزمات؟

لا يمكن أن تكون كل هذه القضايا هامشية في حياتنا، بينما تصبح الاستعدادات للمهرجانات حدثاً مركزياً تتسابق إليه المؤسسات والموارد.

هل فقدنا روح الفزعة؟

نحن شعب اشتهر بالفزعة والعونة والتكافل. كانت القرية تتحرك حين يتعرض أحد أبنائها لمحنة، ويتعاون الناس في مواسم الحصاد، ويعرفون أن الحفاظ على أرض أحدهم حفاظ على أرض الجميع.

هل تنقصنا القدرة على التنظيم؟ بالتأكيد لا. هل تنقصنا المؤسسات أو المتطوعون؟ ما نراه في كل مناسبة يؤكد العكس. إذن، ما الذي ينقصنا؟ هل هي الأولويات؟ أم أننا اعتدنا أن نتحرك للمناسبات أكثر مما نتحرك للحاجات الملحة؟

ولا أنكر المبادرات المشرفة التي يقوم بها متطوعون ومؤسسات ومجموعات شبابية، بعضهم يعمل بصمت ويتحمل مخاطر جسيمة. فالسؤال ليس عن غياب الخير، بل عن غياب التعبئة المؤسسية الواسعة والمستمرة التي نرى قدرتنا عليها في مناسبات أخرى.

وأعرف أن مواجهة اعتداءات المستوطنين والجيش ليست كتنظيم مهرجان، وأن هناك مخاطر وقيوداً تتجاوز قدرة الأفراد والمؤسسات المحلية. لكن هل يحتاج شراء محصول مزارع متضرر إلى مواجهة عسكرية؟ وهل يحتاج إنشاء صندوق لتعويض الخسائر إلى تصريح من المستوطنين؟ ليس المطلوب أن يعرّض الناس أنفسهم للخطر، بل أن نستخدم ما نملكه لحماية من يواجهونه.

ماذا لو جعلنا الفزعة عملاً مؤسسياً؟

ماذا لو خصصت كل غرفة تجارية برنامجاً دائماً لدعم القرى الزراعية المتضررة؟ ماذا لو نظمت كل بلدية أياماً لتسويق منتجات المزارعين، وساهمت كل شركة راعية لمهرجان في صندوق تضامن زراعي، وجعلت كل جامعة التطوع المجتمعي جزءاً ثابتاً من برامجها؟

وماذا لو خصصت مهرجاناتنا مساحة عملية لمنتجات القرى المهددة، ولمبادرات تشغيل الشباب والعمال العاطلين عن العمل؟ وماذا لو قسنا نجاح مؤسساتنا لا بعدد المهرجانات التي تنظمها فقط، بل أيضاً بعدد العائلات التي ساندتها، وفرص العمل التي ساهمت في توفيرها؟

فالمزارع لا يحتاج إلى صورة تذكارية مع مسؤول بقدر حاجته إلى من يساعده في الوصول الآمن إلى أرضه، وتسويق ما تبقى من محصوله، وتعويض بعض خسائره. والعامل الذي فقد مصدر رزقه لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى فرص عمل حقيقية. وأهل غزة لا يحتاجون إلى أن نتذكرهم فقط حين نكتب عن المأساة، بل أن يبقوا حاضرين في ثقافتنا ومؤسساتنا وحياتنا اليومية.

الصمود ليس شعاراً على منصة

الصمود ليس كلمة تُرفع على منصة مهرجان، ولا أغنية وطنية نرددها قبل بدء الحفل. الصمود مسؤولية، والتضامن عمل، والانتماء امتحان يومي لما نحن مستعدون أن نقدمه لبعضنا البعض.

لا أريد أن نلغي مهرجاناً واحداً، بل أريد أن نضيف إلى قدرتنا على الاحتفال قدرة مماثلة على النجدة. أريد أن أرى تنافساً تتسابق فيه الغرف التجارية والبلديات والوزارات والشركات إلى نجدة مزارع، كما تتسابق إلى إنجاح مهرجان.

افرحوا كما تشاؤون، واحتفلوا كما تحبون، وامنحوا أبناءكم وبناتكم كل ما يستحقونه من لحظات السعادة. لكن لا تقولوا لنا كلما سألنا عن واجباتنا الوطنية: »دعوا الناس تفرح«. فقد فرحنا، واحتفلنا، وأقمنا المهرجانات، وسافرنا بحثاً عن المزيد من الفرح، وما زلنا نفعل.

والسؤال اليوم ليس: متى سنفرح؟ بل: متى سنفزع لأهلنا بالحماسة نفسها التي نفرح بها؟

ولعل أجمل ما يمكن أن نحتفل به يوماً ليس نجاح مهرجان جديد، بل نجاح فزعة أعادت إلى مزارع قدرته على العمل، وإلى عائلة مصدر رزقها، وإلى قرية شعورها بأنها ليست وحدها.

منير عارف قليبو — القدس

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد