شبكة قدس الإخبارية - 10/17/2026 7:19:16 PM - GMT (+2 )
تُجمع الأدبيات السوسيولوجية والسياسية على أن المجتمعات التي تتعرض لمخططات تهميش هيكلي ومحاولات مستمرة لطمس هويتها، وتفكيك نسيجها الاجتماعي واستهداف وجودها، كما هو حال المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، لا يمكنها ضمان بقائها، فضلًا عن النهوض، بالاعتماد الحصري على سياسات «رد الفعل» أو الارتهان لمؤسسات السلطة الرسمية التي تمارس هذا التهميش.
وفي السياق المعقد الذي يعيشه المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، تكتسب هذه القاعدة أبعادًا وجودية؛ إذ يواجه المجتمع تحديات تتجاوز التمييز السياسي، لتصل إلى تفكيك بنيته الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، في مسعى يستهدف وجوده بوصفه مجتمعًا متماسكًا وقادرًا على التأثير في صياغة مستقبله على هذه الأرض.
ويحتّم هذا الواقع الانتقال الفوري من عقلية «الاحتجاج والمطالبة» إلى استراتيجية «المبادرة والبناء الذاتي والسيادة المدنية»، بما يعزز صمود المجتمع وثباته وتجذّره، ويرسّخ وجوده بوصفه مجتمعًا متكاملًا، لا مجموعة من الأفراد المنفصلين.
ومن هنا، تطرح هذه الورقة مقاربة لهندسة النهضة المجتمعية، تقوم على إحياء مؤسسة الوقف بوصفها رافعة اقتصادية، وتأسيس شبكات للتكامل المجتمعي، وصولًا إلى بناء مرجعية وطنية مستقلة من خلال مؤتمر إنقاذ وطني يضع النقاط على الحروف.
يمثّل الوقف الإسلامي ثورة أخلاقية واقتصادية تتجاوز مفهوم الإحسان العابر، لتؤسس حصنًا مجتمعيًا متينًا. فعلى المستوى الاقتصادي، يوفر الوقف منظومة استباقية لتعزيز الأمن المجتمعي، تتيح الانتقال من التركيز الحصري على المصالح الشخصية والفردية إلى منظومة تعزز الحقوق الجماعية، وتوظّف الموارد لخدمة المجتمع ككل، أو الفئات المستفيدة من الوقف وموارده.
وبمقدور الأوقاف، على سبيل المثال، الإسهام في معالجة أسباب الانحراف، وفي مقدمتها البطالة والتهميش، من خلال توجيه عوائدها نحو مشاريع إنتاجية وتشغيلية تستهدف الفئات المحتاجة، وتوفر لها فرصًا اقتصادية تعزز استقرارها.
ولا ينفصل هذا المسار الاقتصادي عن ساحة المواجهة الحقوقية؛ فالمعركة لاسترداد الأوقاف المصادرة، وتحديدًا تلك الخاضعة لسيطرة «حارس أملاك الغائبين» ودائرة أراضي إسرائيل، تتطلب عملًا قانونيًا دؤوبًا على مستويات متعددة، لتفنيد ادعاءات المصادرة. وترتكز هذه المواجهة على قاعدة فقهية وقانونية راسخة، هي «شرط الواقف كنص الشارع».
كما أن صياغة حجج وقفية حديثة ومحكمة للعقارات والأراضي، وتأسيس أوقاف إسكانية توفر مساكن للأزواج الشابة، تمثلان خطوتين أساسيتين لمنع تسرب الأملاك وحماية التركيبة الديموغرافية، وصون الحيز المكاني من سياسات الخنق العمراني.
وفي موازاة ذلك، تواجه الجبهة الداخلية للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل استنزافًا حادًا يتمثل في تغوّل الجريمة المنظمة وتفشي قروض السوق السوداء، التي أصبحت خنجرًا في خاصرة المصالح التجارية العربية. وتقتضي مواجهة هذه الظاهرة اعتماد مسارين متكاملين، أولهما توفير بدائل تمويلية من خلال تفعيل صناديق وقفية وتعاونية تقدم قروضًا ميسّرة، وتنقذ المصالح المتعثرة من فخ الابتزاز المالي، الذي ينتهي غالبًا بتصفية الأعمال أو السيطرة عليها بالقوة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في تطوير التحكيم الأهلي المؤسسي، من خلال تحويل لجان الإصلاح من إطارها العشائري التقليدي إلى مؤسسات تحكيم مدنية، تدعمها طواقم تمتلك خبرة واسعة في التقاضي المدني والجنائي. ومن شأن ذلك أن يتيح تسوية النزاعات المالية والعقارية المعقدة بحلول ملزمة، ويسدّ الفراغ الذي يخلّفه تراخي سلطات إنفاذ القانون، ويوفر حماية قانونية واجتماعية للضحايا.
ومن أبرز العوائق التي كبّلت العقل السياسي في الداخل ظاهرة «تضييق الواسع»، إذ جرى اختزال مشروع النهوض الشامل في المشاركة في الكنيست والتمثيل البرلماني. فالكنيست ساحة اشتباك لتعطيل القوانين العنصرية وانتزاع الميزانيات، لكنه ليس مصنعًا للنهضة.
إن النهضة الحقيقية تتطلب الانتقال إلى البناء المؤسسي الذاتي من أسفل إلى أعلى. فتأسيس مراكز أبحاث استراتيجية، وبناء شبكة مدارس أهلية مستقلة تحصّن السردية التاريخية، وتشكيل طواقم لتخطيط المدن والقرى العربية وتطويرها، هي أفعال حضارية تتجاوز في فاعليتها مئات الخطابات السياسية.
وتمثل هذه المؤسسات حالة نهضوية متكاملة تحرر المجتمع من التبعية المطلقة لمنظومة التهميش وميزانياتها المشروطة، وتمنحه أدوات مستقلة لتحديد احتياجاته وصياغة أولوياته وبناء مستقبله.
ولا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يحقق أهدافه في مجتمع تمزقه الانقسامات السياسية والنزعات العائلية. ويكمن التحدي في الانتقال من «المقاربة الصفرية» إلى استراتيجية تقوم على «توزيع المهام وتكامل الأدوار» بين مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.
ويتطلب ذلك حوارًا جادًا وحقيقيًا، بعيدًا عن الارتهان للمنظومة الرسمية والحسابات الضيقة، بهدف الوصول إلى درجة عالية من الوحدة والتنسيق وتكامل الأدوار، بما يتيح توظيف الطاقات والخبرات والموارد لخدمة الأهداف المشتركة.
ولتتويج هذه الرؤية وتحويلها إلى واقع مؤسسي، لا بد من عقد «مؤتمر إنقاذ وطني شامل» يجمع الكفاءات والأكاديميين والحقوقيين ورجال الأعمال ورؤساء السلطات المحلية، بعيدًا عن المحاصصة الحزبية الضيقة، لوضع أسس مشروع وطني جامع يستجيب للتحديات التي تواجه المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل.
ويهدف هذا المؤتمر إلى إعلان حالة طوارئ مدنية، وصياغة «عقد اجتماعي» أو «ميثاق وطني» ملزم، يرفع الغطاء الاجتماعي عن المتورطين في الجريمة المنظمة والسوق السوداء، ويؤسس لموقف مجتمعي واضح في مواجهة هذه الظواهر.
كما يتطلب إطلاق «الصندوق الوقفي الوطني» ليكون الذراع المالية المستقلة للمشروع، من خلال فتح باب الاكتتاب الجماهيري الدائم، بحيث تصبح أموال الصندوق موردًا محركًا لمشاريع التعليم والإسكان والمرافعة القانونية المحلية والدولية.
ويشمل المشروع كذلك تشكيل «المرجعية العليا»، بوصفها قيادة مجتمعية تكنوقراطية تنبثق عنها مجالس تنفيذية متخصصة في التخطيط العمراني والاقتصاد والتعليم وغيرها من المجالات. وتستمد هذه المرجعية شرعيتها من القبول الشعبي وخبرتها المهنية واستقلالها المالي، بما يمكّنها من توجيه بوصلة المجتمع بندية كاملة أمام مؤسسات الدولة.
إن مسيرة النهضة في الداخل الفلسطيني هي قصة مجتمع يرفض الذوبان والارتهان لمعادلات الضعف. ومن خلال استعادة الأوقاف وحمايتها قانونيًا، وبناء المؤسسات المدنية، وإرساء التكامل المجتمعي تحت سقف مرجعية وطنية فاعلة، يمكن إعادة بناء حصن مجتمعي متماسك، يصنع أمنه واستقراره وصموده بإرادته الحرة وموارده المستقلة على أرضه.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


