جريمة التهجير القسري بين سقوط المواثيق وتحطم مشروع الإقلاع
وكالة سوا الاخبارية -
2026/10/18

يمثل التهجير القسري في العقيدة الاستعمارية الإسرائيلية، سياسة مؤسسية ثابتة، انطلق منها الكيان منذ النكبة الكبرى في العام 1948، وتتواصل فصولها الدموية اليوم بأبشع الصور عبر محاولات اقتلاع سكان قطاع غزة وتفريغ الأرض من أهلها. وإذا كانت الجرائم عادةً ما ترتكب في السر وتحاط بأستار التستر، فإن جريمة التهجير في الحالة الفلسطينية المعاصرة تمارس جهاراً نهاراً، وعلى لسان وزراء في حكومة الاحتلال الإسرائيلي وشخصيات سياسية وعسكرية بارزة لا تخفي نيتها الجرمية، بل وتتبجح بها على شاشات التلفزة وفي المحافل الرسمية، متجاوزة كل الخطوط الحمراء للقيم الإنسانية.

جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية
من منظور القانون الدولي الجنائي، لا يوجد التباس في التكييف القانوني للتهجير القسري؛ فهو يصنف باعتباره انتهاكاً جسيماً يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية:
* اتفاقية جنيف الرابعة (1949): حظرت المادة (49) صراحةً النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو إبعادهم عن الأراضي التي يحتلونها، بغض النظر عن دوافعهم.
* نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: نصت المادتان (7) و(8) على أن "الإبعاد أو النقل القسري للسكان" -متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين- يعد جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب تستوجب الملاحقة الجنائية الفردية لمن أصدر الأمر ومن نفذه.
* اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها: إن التهجير المنهجي المقترن بالحصار والتجويع والتدمير الشامل للبنية التحتية والمقومات الحياتية في غزة، لا يقصد به فقط إبعاد السكان، بل يهدف إلى إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها دمارها المادي الكلي أو الجزئي، وهو ركن أساس من أركان جريمة الإبادة الجماعية.

سقوط الأقنعة
في الفقه الجنائي الدولي، يعد إثبات "النية القصدية" هو التحدي الأكبر أمام المدعين العامين لإدانة مرتكبي الجرائم الكبرى، لكن في حالة الاحتلال الإسرائيلي، سقط هذا التحدي بسقوط الأقنعة، فقد جاهر وزراء في حكومة الاحتلال، ونواب في الكنيست ، وقادة عسكريون، علانيةً وفي وسائل الإعلام، بخططهم الرامية إلى إفراغ قطاع غزة، ودفع سكانه نحو الحدود، وتحويله إلى أرض غير مأهولة. 
هذه التصريحات العلنية والموثقة لا تمثل مجرد آراء شخصية، بل هي إقرار قانوني صريح بوجود سياسة مدبرة ونية مسبقة لارتكاب جريمة التهجير القسري، مما يضع الهيئات القضائية الدولية أمام أدلة دامغة لا تقبل التأويل ولا تحتاج إلى بحث واجتهاد لإثبات القصد الجنائي.

عجز المجتمع الدولي
أمام استمرار هذه الجريمة التاريخية والممتدة، يقف المجتمع الدولي أمام امتحان أخلاقي وقانوني مصيري، حيث إن القاعدة القانونية الدولية تقضي بأن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة لا تسقط بالتقادم، ولجرائم التهجير القسري أثراً مستمراً طالما منع الضحايا من العودة إلى أراضيهم وديارهم.
إن السكوت الدولي المطبق، والاكتفاء ببيانات التنديد الضعيفة، لا يعد فقط تقاعساً عن حماية المدنيين، بل هو مشاركة ضمنية في توفير الحصانة والإفلات من العقاب للجلاد. 
لذا، فإن الواجب القانوني والأخلاقي الفوري يفرض تفعيل الآليات الجنائية الدولية عبر المحاكم المختصة، وفرض العقوبات الرادعة وقطع الدعم للكيان المحتل، وتكريس حق العودة كحق آمن وغير قابل للتصرف باعتباره المدخل القانوني الأوحد لإبطال مفعول هذه الجريمة المستمرة منذ 1948.

وإذا كان القانون الدولي يجرّم التهجير بوضوح، وإذا كان المحتل قد جاهر بنواياه دون استحياء، فإن الجدار السميك الذي تحطمت عليه كل هذه الخطط هو إرادة الإنسان الفلسطيني نفسه. لقد أدرك الفلسطينيون بالفطرة والوعي التاريخي العميق أن التهجير ليس مجرد رحيل مؤقت هرباً من الموت، بل هو محاولة أخيرة لاقتلاع الجذور وإلغاء الهوية للأبد، واستمرار مباشر لنكبة عام 1948 التي دفعوا ثمنها عقوداً في الشتات. 
من هنا، صاغ أهالي قطاع غزة — رغم هول الإبادة وقسوة الحصار — عقيدة بقاء صارمة ترفض التكرار القسري للمأساة التاريخية. فكل خيمة تنصب على أنقاض البيت المدمر، وكل خطوة عودة نحو الشمال أو الجنوب، رغم القصف والموت، وكل تشبث بحبة تراب، يمثل فعلاً قانونياً ووطنياً مقاوماً؛ إعلانات صريحة متجددة بأن الحق الفردي والجماعي في الأرض لا يسقط بالتقادم، وأن محاولات الاقتلاع البشري ستنكسر حتماً أمام صخرة الانتماء الأبدي للوطن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد