جرد حساب واقتراح للخروج من عنق الزجاجة
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: زياد أبو زياد

لا شيء في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني الحالي يبعث على التفاؤل. فقد بدأنا في عام 1994 تجربة التأسيس لنظام سياسي يقوم على الشرعية الانتخابية وأجرينا في مطلع عام 1996 انتخابات حرة ونزيهة نتج عنها مجلس تشريعي استطاع رغم كل المعوقات كسر قيود أوسلو وتجاهل الأوامر العسكرية المطبقة وسن قوانين تتحدى تلك القيود وتخرج عن سقفها مثل قانون القدس عاصمة فلسطين وأسس لحياة ديمقراطية فيها ثلاث سلطات تقوم على أساس مبدأ الفصل بين السلطات.

 ومع ان هذا المجلس انتخب لفترة انتقالية تنتهي في أيار 1999 إلا ان تعثر المفاوضات ومماطلة إسرائيل في تنفيذ إعادة الانتشار المتفق عليها أدى الى استمرار الفترة الانتقالية الى مابعد 1999، وأدى الى استمرار المجلس التشريعي في ممارسة دوره، وقد أنجز المجلس منذ انتخابه تشريع منظومة القوانين التي قامت عليها السلطة ونجح في أداء مهمة مراقبة ومساءلة الحكومات المتعاقبة، وكان ضابطاً وبوصلةً لتحسين الأداء الحكومي حتى انتخابات 2006 التي فازت بها حماس بالأكثرية في المجلس.

ورغم فوز حماس بالأكثرية وتوليها الحكومة إلا انها انقلبت على نفسها في حزيران عام 2007 محاولة التخلص دموياً من حركة فتح المنافس السياسي لها في القطاع، وأسفر ذلك عن الفصل بين الضفة والقطاع وظل الانفصال يتعمق ويتجذر ، كيانين واحد تحت سيطرة فتح بالضفة وآخر تحت سيطرة حماس في القطاع، حتى احداث السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من كارثة وطنية بكل المعايير لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.

منذ حزيران عام 2007 تلاشى حلم إقامة نظام ديمقراطي قائم على شرعية صناديق الاقتراع واصبحنا نعيش بدون سلطة تشريعية فاستحوذت السلطة التنفيذية برام الله وحركة حماس في غزة على صلاحيات السلطة التشريعية واصبح من السهل التدخل في صلاحيات السلطة القضائية وتمأسس نظام حكم الفرد الواحد دون مراقبة او مساءلة برلمانية في كلا الجانبين.

إن من اهم مقومات الديمقراطية هو مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، وتداول السلطة من خلال صناديق الإقتراع، واحترام سيادة حكم القانون والالتزام بمبدأ تكافؤ الفرص. وكل هذه تم تغييبها منذ انقلاب 2007.

وللأمانة، ليس المقصود هنا مناكفة او تجريح أي شخص او حركة من طرفي الانقسام ، ولكني أقول بأن الفترة من 2007 حتى اليوم هي فترة التراجع والانحسار في كل المجالات بسبب الانقسام الذي مهد وبرر تغييب السلطة التشريعية واستلاب صلاحياتها.

 فقد أدخلتنا وسيلة اصدار قوانين في غزة بدون غطاء تشريعي صحيح والقرارات بقانون في  الضفة، في فوضى تشريع نتيجة سواء استعمال المادة (43) من القانون الأساسي المعدل لعام 2003 والتي نصها:"

  1. "لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون".

وبدلاً من ان تكون هذه المادة ملاذاً استثنائياً للحالات الطارئة استخدمت كأداة مريحة للاستيلاء على صلاحيات المجلس التشريعي من قبل السلطة التنفيذية، والدخول في فوضى التشريع والاضطرار بين الحين والآخر الى استبدال قرار بقانون بقرار آخر او تعديله او الغائه او تجميد العمل به. والذي يعرف التعقيدات الإجرائية لعملية تشريع القوانين من خلال البرلمانات حيث تمر عبر ورشات عمل وفلترة من خلال قراءات تمهيدية واولى وثانية وثالثة، بمشاركة خبراء وكفاءات مختصة وممثلي القوى السياسية الممثلة في البرلمان على تنوع برامجها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، مما يبلورها بشكل نهائي بعد ادخال تغييرات وتعديلات يتوافق عليها الجميع، يستطيع ان يعرف الفرق بين ان يتم تشريع القانون من خلال قرار بقانون او من خلال المجلس التشريعي أي البرلمان.

وعلى أية حال، فإن من الواضح أن طرفي الحكم في الضفة والقطاع منذ حزيران 2007 وجدا ان من مصلحتهما تغييب المجلس التشريعي، لأن غياب المساءلة والرقابة البرلمانية أتاح لكلا الطرفين التفرد بالقرارات والحكم بدون رقيب، دون ان يدركا بأن نتيجة ذلك ستكون الوقوع في أخطاء كارثية لم يكن الوقوع بها ممكناً لو كانت هناك رقابة ومساءلة ومحاسبة برلمانية، وابرز مثل على ذلك التفرد في اتخاذ القرار هو هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي استطيع ان اجزم بأنه لم يكن ليقع لو كانت هناك حكومة تخضع للمساءلة والرقابة البرلمانية تجعلها تأخذ في الحسبان كل الاحتمالات والسيناريوهات المتوقعة والعواقب قبل الدخول في هذه المغامرة التي شكلت في يومها الأول نصراً تكتيكيا دغدغ عواطف البعض قبل ان يدركوا انه سيتحول الى كارثة استراتيجية الى ابعد مدى.

كما أدى غياب الرقابة والمساءلة البرلمانية  أيضاً الى مأسسة الفساد وتفشي المحسوبيات وتوريث المراكز والوظائف من قبل المسؤولين على كل المستويات، وسوء إدارة وهدر  المال العام ، وزعزعة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وترهل المؤسسات مما خلق بيئة خصبة لانتشار الشائعات في وسائل التواصل الاجتماعي بحق وبغير وجه حق، والمساس بمصداقية السلطة.

وقد استغل ذلك من قبل الطرف الآخر للتمادي في جرائمه وممارساته متهما السلطة بالفساد وفقدان الشرعية والترويج لهذا في المحافل الدولية التي تصلها في نفس الوقت تقارير من مبعوثيها في المنطقة عن تفشي الفساد وتداعي مؤسسات الحكم، مما دفعها للمطالبة بالإصلاحات التي تعيد الشرعية والمصداقية للسلطة وقد وصل ذلك الى الذروة هذه الأيام بعد صدور مرسوم تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 28 تشرين الثاني 2026 الى أيلول 2027 ذلك التأجيل الذي وضع السلطة في وضع محرج مع عدد من الدول الأوروبية الصديقة وعلى رأسها فرنسا التي تصر على بدء عملية اصلاح السلطة وعلى رأس ذلك اجراء انتخابات تشريعية.

العشرون سنة الماضية لم تحقق أي انجاز على طريق الاستقلال وانهاء الاحتلال الذي كنا نحلم به بل بالعكس أدت الى التفريط بكثير مما تم إنجازه في السنوات العشر التي أعقبت اتفاق أوسلو. والاستمرار في نفس المنهج ونفس الأدوات ونفس طريقة التفكير لن يؤدي إلا الى ضياع ما تبقى من الأرض والسلطة. والمطلوب من الرئيس التوصل لهذ الاستنتاج والاقتناع بأن طريق الخلاص الوحيد هو والإرث الذي يمكن ان يحققه لشعبه هو تحقيق تغيير جذري ينبع من العودة الى الشعب والإحتكام الى قراره.

 إن منهج الخوف من فقدان مقاليد الحكم سواء من قبل الحكام او الأحزاب الحاكمة هو المدخل للدكتاتورية، وهو الوصفة الناجعة لفقدان كل شيء.

ليس سراً ان الحوار الوطني الأخير في القاهرة والذي شرعن قرار تأجيل الانتخابات لم يكن حوارا من أجل الوطن بقدر ما كان بدافع الخوف من فقدان الحكم، ومن أجل المحاصصة وتقاسم نتائج الانتخابات.

المخرج الوحيد من عنق الزجاجة هو العودة للاحتكام لصناديق الاقتراع واجراء انتخابات تشريعية ورئاسية إما في آن واحد او بتباعد ستة أشهر، ولا بد من عهد جديد تتغير فيه كل الأطر والمسميات التي احتكرت القرار الوطني منذ عشرات السنين، فالانتخابات النسبية في غياب قوانين أحزاب وحياة سياسية صحية ومستقرة هي وصفة لاستمرار هيمنة الفصائل والحركات التي احتكرت القرار الوطني منذ عشرات السنين وما زالت رغم التغييرات الكبيرة التي حدثت على الأرض وباعدت بينها وبين القاعدة الشعبية مما جعلها لا تمثل هذه القاعدة بنفس القدر من النفوذ والقوة التي تطالب بها لنفسها، فأصبحت بحاجة الى تجديد صك التمثيل الذي تدعي امتلاكه.

ومن أجل إعادة البناء من الأساس، فإن أية انتخابانت قادمة يجب ان تكون، ولمرة واحدة فقط، انتخابات شخصية على مستوى المحافظات يختار فيها الناخبون الأشخاص الذين يثقون بهم ويعرفونهم شخصيا ليشكلوا برلماناً تأسيسياً يقوم بالتأسيس لحياة سياسية من خلال تشريع قانون أحزاب جديد وتسجيل الأحزاب ببرامجها، وبعده يمكن العودة للانتخابات النسبية الكاملة او المختلطة كما في بعض الدول المتقدمة.

فلنطوِ صفحة انتهى دورها ونبدأ صفحة جديدة يعرف فيها كل حزب مدى شعبيته وحجمه الطبيعي على أرض الواقع بدون تقاسم او محاصصة.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد