"إسرائيل" تقيم منطقة عازلة ثانية في قطاع غزة.. ماذا في التفاصيل؟
وكالة شمس نيوز -

أحمد عبد الرحمن

منذ بداية حرب الإبادة الجماعية بحقّ المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة قبل أكثر من ثلاث سنوات، جرّبت "إسرائيل" عشرات الخطط، واستخدمت مروحة واسعة من الأدوات والإمكانيات من أجل الوصول إلى جملة الأهداف التي رفعتها عشيّة انطلاق معركة "طوفان الأقصى" البطولية. 

هذه المعركة التي شكّلت كما يقول معظم المحلّلين الاستراتيجيين نكسة غير مسبوقة لـ"دولة" الاحتلال المجرمة، والتي كانت تعتقد منذ نشأتها وحتى انطلاق أول رصاصة صباح يوم السبت المجيد أنها "دولة" عصيّة على الانكسار، وأنّ قدراتها العسكرية والاستخباراتية قادرة على حمايتها من غضب الشعوب المقهورة، ومن عنفوان قوى المقاومة الشريفة في فلسطين والمنطقة، والتي شكّل التصدّي لها معضلة كبرى لدى "الدولة" العبرية، دفعها إلى إدخال الكثير من التغييرات والتعديلات على عقيدتها القتالية التي اعتمدتها منذ نشأة "المستوطنة" قبل نحو ثمانية وسبعين عاماً.

من أكثر الأهداف التي سعت "إسرائيل" إلى تحقيقها بكلّ الوسائل الممكنة منذ بداية الحرب كان تهجير المواطنين الفلسطينيين أو الجزء الأكبر منهم من قطاع غزة إلى الخارج، وتحويل هذه البقعة الجغرافية الضيّقة التي تحوي ببين جنباتها أكثر من مليونين وربع المليون إنسان إلى منطقة خالية من السكّان، في مقدّمة لتحويلها إلى عمق أمني لأكثر من 55 مستعمرة إسرائيلية تقع إلى الشمال والشرق منها ـــــ ولمَ لا ـــــ ثمّ إعادة جزء من هذه المستعمرات إليها في وقت لاحق في حال سمحت الظروف بذلك.

في هذا الإطار بذلت "إسرائيل" كلّ الجهود الممكنة، ولم تترك وسيلة إلا واستخدمتها من أجل تنفيذ مخطّطها الشيطاني والإجرامي، والذي يتنافى جملة وتفصيلاً مع القوانين الدولية كافة التي تمنع السيطرة على أرض شعب آخر بالقوة، وتجرّم أيّ محاولة لتهجير السكّان الأصليين من أراضيهم وممتلكاتهم مهما كانت الأسباب والذرائع.

بعد فشل سياسة التهجير الإسرائيلية، وسقوطها أمام إصرار الشعب الفلسطيني في غزة على التمسّك بأرضه، وتفضيله العيش بين أنقاضها، والموت فوق ترابها على الهجرة إلى أيّ مكان آخر في العالم، فعّلت "الدولة" العبرية، ومعها شريكتها في القتل والإجرام الولايات المتحدة الأميركية الخطة "باء"، والتي سعت من خلالها لإقامة منطقة أمنية عازلة داخل أراضي قطاع غزة، بهدف معلن وهو حماية المستوطنات المحاذية للقطاع من هجمات الفلسطينيين. 

أما الهدف الآخر فبقي طي الكتمان، وهو تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يُطاق، وحشرهم في منطقة جغرافية صغيرة للغاية، بعيداً عن مناطقهم الأساسية التي تمّ تدميرها وتجريفها، وتحويلها إلى مناطق جرداء، يُمنع الاقتراب منها بأيّ شكل من الأشكال، بما يمكن أن يؤدّي في مرحلة ما إلى كسر عزيمتهم، وانهيار صمودهم، وربما ـــــ ولِمَ لا ـــــ تفضيلهم لخيار الهجرة "الطوعية" بعيداً عن حياة الذل والفقر التي يفرضها عليهم الاحتلال.

من المؤسف أن نقول إنّ اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي قد مكّن "إسرائيل" من الحصول على إنجاز لم تحصل عليه في أيّ وقت سابق، ولا حتّى بقوة الحديد والنار التي استخدمتها طوال فترة الحرب ضدّ المدنيين الفلسطينيين، إذ ضمن لها هذا الاتفاق الذي وافقت عليه فصائل المقاومة الفلسطينية انطلاقاً من مبدأ "مُكره أخاك لا بطل" السيطرة على نحو 60% من أراضي القطاع، والتي صنّفها هذا الاتفاق الجائر بأنها مناطق حمراء وصفراء، وكان من المفترض وفقاً للاتفاق أن ينسحب "جيش" الاحتلال من الصفراء منها بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، فيما ينسحب من الحمراء في نهاية المرحلة الثالثة منه.

وبما أنّ الاحتلال لا يلتزم كما العادة بكلّ الاتفاقيات التي يوقّع عليها، ودائماً ما يضرب بها عرض الحائط حتى لو كان الضامن لها رئيس أقوى دولة في العالم، فقد تنكّر لما تمّ التوصّل إليه، وبدلاً من الانسحاب إلى المناطق الشرقية من القطاع أي باتجاه الحدود مع الأراضي المحتلة عام 48، قام بتوسيع مناطق سيطرته باتّجاه عمق قطاع غزة، والسيطرة على المزيد من الأراضي سواء في شمال القطاع أو شرقه، حتى بلغت نسبة ما يسيطر عليه حتى الآن أكثر من 70%. 

وهي نسبة مرشّحة للارتفاع في ضوء ما يجري من عمليات تدمير وتجريف في مناطق واسعة من محافظة شمال القطاع، وتوسيع للخط الأصفر باتجاه عمق مدينة غزة، إلى جانب ما يجري من عمليات توسعة شمال وشرق مخيم البريج، وشرق مخيم المغازي ومدينة دير البلح في المنطقة الوسطى من القطاع.

حتى هذه المرحلة التي نراها بالغة الخطورة، وتُنذر بحشر كلّ سكان القطاع في مساحة تقلّ عن ربع مساحته الإجمالية، يمكن القول إنّ العدو قد تمكّن بالفعل من تنفيذ مخطّطه الهادف إلى إنشاء منطقة عازلة تمنع مستقبلاً أيّ تحرّك من قطاع غزة باتجاه الحدود الشرقية من القطاع، وتجعل من إمكانية مهاجمة المستعمرات المُقامة شماله وشرقه أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن أمراً مستحيلاً، وهو بذلك يكون قد حقّق أحد أهداف الحرب التي رفعها منذ بداية العدوان على غزة.

هدف آخر تحقّق من خلال إنشاء هذه المنطقة العازلة، وهو يتعلّق في الأساس في حرمان سكّان القطاع من معظم الأراضي الصالحة للزراعة، والتي كانت توفّر أكثر من 80% من احتياجات السكان، إلى جانب حرمانهم أيضاً من مئات آبار المياه التي كانت مُقامة في هذه المناطق، والتي تُقدّر بنحو 60% من إجمالي الآبار في القطاع.

إلى جانب إقامة المنطقة العازلة المُشار إليها أعلاه، تعمل "إسرائيل" ومن دون إعلان رسمي على إقامة منطقة عازلة ثانية، إلا أنها هذه المرة ليست فارغة من المباني والمناطق العمرانية، وليست مُخلاة من السكّان، بل هي المنطقة المتبقّية من أراضي القطاع خارج المنطقة الصفراء، والتي تقع في المناطق الغربية من قطاع غزة، ويوجد فيها كلّ سكّان القطاع، والذين يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة والقسوة، وفي غياب واضح لمعظم الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وغذاء ودواء، وفي ظلّ تكدّس سكّاني غير مسبوق.

في هذه المنطقة تسعى "إسرائيل" من خلال مجموعة من الإجراءات إلى تحويل هذه الكتلة البشرية الهائلة، والتي تفتقد لمعظم مقوّمات الحياة إلى ما يشبه المنطقة العازلة المقامة على الجزء الآخر من القطاع، ولا سيما على صعيد الهدف المُراد تحقيقه من ورائها، فإذا كانت في المنطقة الأولى تسعى لمنع أيّ تحرّك باتجاه الحدود والمستعمرات، فإنها في الثانية ومن خلال استخدام السكّان كحائط صدّ في وجه المقاومة تسعى إلى تأمين كلّ أراضي "الدولة"، وليس فقط تلك القريبة من حدود القطاع.

حتى تتّضح الفكرة دعونا نقترب من التفاصيل بشكل أكبر، إذ إنّ العقيدة الأمنية الإسرائيلية تركّز بشكل واضح على مبدأ تجنيب الجبهة الداخلية لـ "الدولة" أيّ مخاطر قد تلحق بها نتيجة المواجهات العسكرية المختلفة، بغضّ النظر عن الجبهة التي قد تأتي منها هذه المخاطر. 

وهي فرضيّة وإن كانت قد سقطت في الحروب الأخيرة نتيجة تطوّر إمكانيات المقاومة في المنطقة، والتي باتت تستهدف العمق الصهيوني من خلال الصواريخ طويلة المدى والطائرات المسيّرة، إلا أنّ الهاجس الإسرائيلي في هذا الجانب ما زال حاضراً، وهو يظهر جليّاً في ساحات أخرى كالساحة اللبنانية على سبيل المثال، والتي يسعى الاحتلال فيها لإقامة منطقة عازلة بعمق قد يصل إلى 30 كلم، إلى جانب محاولته حرمان المقاومة اللبنانية من كلّ قدراتها الصاروخية بعيدة ومتوسطة المدى. 

ويظهر أيضاً في المواجهة مع إيران، والتي كان مطلب تخلّيها عن ترسانتها الصاروخية بعيدة المدى مطلباً أساسياً لكلّ من الحليفين الإسرائيلي والأميركي.

في قطاع غزة تبدو الصورة مشابهة تماماً لكلّ ما يجرى في ساحات أخرى، إذ إنّ العدو يعتقد أنّ المقاومة الفلسطينية ستتعافى في وقت ما من كلّ ما لحق بها من خسائر، وأنها يمكن أن تعود من جديد إلى عمليات تصنيع سلاحها الصاروخي أو الحصول عليه من مكان ما، وهو السلاح الذي كان في كثير من الأحيان يشكّل الهاجس الأكبر للجبهة الداخلية الإسرائيلية، ولطالما اعتُبر أزمة يصعُب التعامل معها من وجهة نظر مئات الآلاف من المستوطنين الصهاينة. 

وبالتالي في حال تمّ هذا الأمر تصبح المنطقة العازلة الأولى غير كافية، وتسقط أهميتها أمام إمكانية تجاوزها بالإطلاقات الصاروخية المحتملة، وهنا يصبح تحويل المنطقة المتبقّية من القطاع، والمتكدّسة بمئات الآلاف من المواطنين إلى منطقة عازلة أمراً في غاية الأهمية، بل ويتجاوز في أهميته كلّ المناطق الأخرى.

من أجل إنجاز هذا الهدف تستخدم "إسرائيل" مجموعة من الأدوات، حتى تحوّل الكتلة السكّانية الموجودة في هذه المنطقة إلى مانع لأيّ عمليات مقاومة في المستقبل، خصوصاً تلك العمليات التي يمكن أن تستهدف العمق الإسرائيلي، والتي أثبتت التجربة أنّ إمكانية استهدافه مُتاحة وممكنة في حال امتلكت المقاومة في غزة صواريخ يتجاوز مداها الـ 20 كيلومتراً كحدٍّ أدنى، وهو أمر من السهل الوصول إليه في ظلّ ما تملكه المقاومة من خبرات في هذا المجال.

للوصول إلى هذا الهدف تعمل "إسرائيل" على الضغط على السكان الموجودين في المساحة المتبقّية من قطاع غزة بكلّ الطرق الممكنة، فمن الحصار الذي يحرمهم من معظم مستلزمات العيش الكريم، والذي يترك تداعيات كارثية على مناحي الحياة كافة، مروراً بعمليات القتل والاغتيال التي تُمارس بحقّهم صباح مساء، والتي نتج عنها منذ بداية اتفاق التهدئة وحتى الآن ارتقاء أكثر من 1500 شهيد، ونحو خمسة آلاف جريح.

وصولاً وهو الأهم إلى التهديد بالعودة إلى سياسة الإخلاء القصري من مناطق وجودهم، وهي السياسة التي ينظر إليها سكان القطاع بأنها أخطر من كلّ ما سبقها، وهي باتت كابوسهم الأول الذي يقضّ مضاجعهم، وينغّص عليهم حياتهم التي لا تسرّ صديقاً وتُشمّت عدوّاً.

في هذا السياق برز التهديد الإسرائيلي قبل عدّة أسابيع بترحيل وإخلاء جميع سكان مدينة غزة وشمالها في حال أقدمت المقاومة على أيّ فعل ضدّ جنود الاحتلال، وأنّ المسؤولية ستقع على عاتق كلّ السكّان في حال حدوث أيّ عملية صغيرة كانت أو كبيرة.

هذا التهديد الذي تكرّر أكثر من مرة على لسان وزير الحرب يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان إيال زامير يكشف بشكل واضح التوجّه الإسرائيلي في المرحلة الحالية والمقبلة، وهو تقسيم قطاع غزة إلى منطقتين عازلتين؛ الأولى مخلاة من السكان، وفارغة من المناطق العمرانية، والهدف منع أيّ عمليات تسلّل باتجاه مستعمرات الغلاف. 

والثانية وهي الأهم حماية "الدولة" العبرية من أيّ تهديد قد يأتيها من جبهة قطاع غزة، وهذه المرة ليس من خلال وجود قوات على الأرض، وإنما من خلال ردع السكان الفلسطينيين الذين بدورهم سيمنعون أيّ عمل مقاوم قد ينطلق من أماكن وجودهم الضيّقة والمنكوبة.

على كلّ حال ليس بالضرورة أن تنجح المخطّطات الإسرائيلية في الوصول إلى أهدافها، وليس بالضرورة أن يتخلّى الفلسطينيون عن أهدافهم التي قدّموا من أجلها تضحيات هائلة، بل يمكن أن ينقلب السحر على الساحر، ويمكن أن يصبح هؤلاء السكان الذين يريد العدو تحويلهم إلى منطقة عازلة إلى رأس حربة في "طوفان" جديد. 

إذ إنّ المزيد من الضغط عليهم يمكن أن يدفعهم إلى الانفجار في وجه عدوّهم، حتى لو كان ثمن هذا الانفجار مزيداً من القتل والحصار والتضييق، خصوصاً إذا ما عرفنا أنّ هذا الشعب الذي ما زال يقاتل منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن لم يستسلم أبداً لعدوّه مهما كانت التضحيات، ومهما عظمت الأثمان، فهو شعب صلب وعنيد ولديه من الخبرة والرغبة ما يمكن أن يفاجئ به الأعداء، ويقلب به الطاولة على رؤوس الجميع.  



إقرأ المزيد