قراءة حقوقية في الإبادة الإعلامية في غزة وتقرير ألبانيزي
وكالة سوا الاخبارية -
2026/10/26

تجاوزت حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة ، البشر والحجر، إلى استهداف الحقيقة ومصادرها. في تقريرها الحقوقي الأممي البارز: الحقيقة تحت الأنقاض (وسائل الإعلام في زمن الإبادة الجماعية)، تقدم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة: فرانشيسكا ألبانيزي، تشريحاً قانونياً دقيقاً لما يوصف بالإبادة الإعلامية؛ وهو استهداف ممنهج ومدروس لتجريد الضحية الفلسطينية من صوتها، وتعطيل قدرة المجتمع الدولي على رصد الفظائع وتوثيقها.

أبعاد التقرير وهندسة التستر والتواطؤ

يكتسب هذا التقرير الأممي أهميته القصوى من كونه يكشف الأنساق الثلاثة المترابطة التي استخدمها الاحتلال لقتل الحقيقة:

1. إعدام الشاهد ميدانياً: التخلص الممنهج من العاملين في الإعلام الفلسطيني بالقتل، والتشويه، والاعتقال التعسفي، ووسمهم الباطل بالإرهاب لإضفاء الشرعية على استهدافهم.

2. شيطنة الخطاب: إحكام السيطرة والرقابة على المنظومة الإعلامية الإسرائيلية لبث الدعاية، وخطاب الكراهية، والتحريض المنهجي على الإبادة.

3. التواطؤ الدولي: دور وسائل الإعلام الغربية الكبرى والمنصات الرقمية في تهميش الأصوات الفلسطينية، وتبني السرديات الإسرائيلية المعقمة من السياق، وتطبيع التحريفات القانونية التي تحجب المسؤولية الجنائية للاحتلال.

الوقائع الميدانية والأثر الكارثي على الصحفيين والصحفيات

تشير الحقائق الميدانية الموثقة إلى حجم الاستهداف الممنهج للصحفيين الفلسطينيين والعاملين في حقل الإعلام.

بلغ عدد الشهداء حوالي 300 صحفي وعامل في مجال الإعلام منذ بدء حرب الإبادة، من بينهم العشرات ممن استهدفوا بشكل مباشر وممنهج وعلى خلفية عملهم الاعلامي ونقلهم للحقيقة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليستهدف محيطهم العائلي، حيث أسفر قصف منازلهم عن استشهاد نحو 710 من أفراد عائلاتهم وأقاربهم.

بلغ عدد الجرحى أكثر من 400 صحفي وصحفية، بجراح مختلفة، بعضها أدى إلى إعاقات مستدامة حرمتهم من مواصلة عملهم الميداني.

استهداف شارات الحماية الصحفية يؤكد أن ارتداء سترات الصحافة والخوذات الزرقاء، أو التواجد داخل خيام ومركبات تحمل شارات واضحة، لم يمنع استهدافهم، بل تحولت تلك الشارات بفعل الصلف الإسرائيلي إلى إشارات استدلالية لقناصة الاحتلال والمسيرات.

اعتقلت قوات الاحتلال عشرات الصحفيين والعاملين في قطاع الإعلام، بشكل تعسفي، فيما تعرض صحفيين اثنين للاختفاء القسري من الميدان، وواجه المعتقلون ظروف احتجاز قاسية وعمليات تعذيب ممنهجة وترهيب نفسي وبدني، فضلاً عن الوسم المسبق بالإرهاب لتبرير الانتهاكات الجسيمة بحقهم.

دمرت قوات الاحتلال المنشآت الإعلامية ومقرات وسائل الإعلام، حيث دمرت حوالي 150 مقراً ومؤسسة إعلامية، إضافة إلى تدمير مكاتب الفضائيات والوكالات المحلية والدولية ومطابع الصحف، بهدف إلغاء أي بنية تحتية قادرة على بث الصورة أو حفظ الأرشيف.

دمرت قوات الاحتلال المعدات الإعلامية، حيث جرى تحطيم وتدمير مئات الكاميرات، وأجهزة البث الحي، ووحدات المونتاج، وألواح الطاقة الشمسية، ومعدات الحماية الشخصية، في محاولة واضحة لتعطيل أدوات التوثيق الميداني وإبقاء الميدان في عتمة إخبارية مطلقة.

استهدفت قوات الاحتلال عشرات السيارات والمركبات التي تحمل شارة "PRESS"، بالصواريخ وقذائف المدفعية، بشكل مباشر، ما تسبب في احتراقها واستشهاد بعض من فيها على الفور، كجزء من سياسة إعدام فرق التغطية المتنقلة.

وترك الإرهاب المنظم لقوات الاحتلال بحق الصحفيين والصحفيات أثر نفسي ومعنوي بالغ القسوة؛ فالصحفي الفلسطيني لا يعيش فقط تحت وطأة خطر الموت اليومي، بل يواجه فجع فقدان عائلته وأطفاله وزملائه، ويواجه خوفه من المجهول، وضغط العمل المتواصل وسط المجازر، والتهديدات المستمرة بالتصفية، ناهيك عن العبء الهائل المتمثل في محاولة الحفاظ على التوازن النفسي لنقل ألم شعبه للعالم بينما هو ينزف.

أحلام حين تزهر الحقيقة على عتبات الدم

الأرقام وحدها لا تترجم عمق المأساة، فحكاية الصحفية الخريجة المجتهدة أحلام تجسد نبض الشجاعة الصحفية في أبها صورها.

أحلام، تلك الشابة التي تخرجت من قسم الصحافة والإعلام تحمل شغف الحقيقة وأمانة الكلمة، وجدت نفسها مع انطلاق حرب الإبادة الجماعية أمام مهمة ثقيلة لا تحتمل التردد. استعارت كاميرا ودرعاً صحفياً متهالكاً، ونزلت إلى الشارع الغزي المدمر توثق الأحداث، وتلتقي بالضحايا، وترصد دمعة الأطفال وأنين الأمهات تحت الركام، لترسل موادها المدعمة بالصور والشهادات الحية إلى وسائل الإعلام كي يصل صوت المظلومين إلى العالم أجمع.

لم تكن تعرف للراحة سبيلاً؛ فكلما انتهت من إعداد مادة صحفية في ركن المستشفى المخصص للصحفيين، ووقع قصف جديد وشهداء جدد، سارعت إلى العودة للميدان غير مبالية بتعبها وجوعها. وحين أنهكت ساعات النهار القاسية قواها، وتكدست مآسي اليوم، ساعدها زملاؤها للعودة إلى منزلهم. وفي طريق العودة، طالتها شظايا وصواريخ الغدر، فارتقَت أحلام شهيدة على طريق الحقيقة والأمانة، لتترك الكاميرا والدماء الشاهدة على أن الإرادة الفلسطينية أشد من أن تطمس بالحديد والنار.

استناداً إلى ما خلص إليه تقرير المقررة الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي، فإن استهداف الصحفيين الفلسطينيين والعاملين في قطاع الإعلام، لا يمثل انتهاكات فردية أو أخطاء عسكرية، بل هي انتهاكات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

إن استهداف الأعيان المدنية والأشخاص المشمولين بالحماية الخاصة كالإعلاميين، بهدف طمس الحقيقة وتسهيل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، يستوجب تحركاً فورياً وفاعلاً من المجتمع الدولي والآليات القضائية الدولية لتفعيل مسار المساءلة والمحاسبة، وكسر حظوة الإفلات من العقاب، وإنشاء آلية دولية مستقلة لجمع الأدلة وحمايتها، ضماناً لعدم تكرار هذه الفظائع التي تسعى لقتل الشاهد ووأد الذاكرة الفلسطينية.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد