من الإبادة إلى الاعتقال والانهيار الاقتصادي.. المرأة الفلسطينية تدفع الثمن
شبكة قدس الإخبارية -

تواجه المرأة الفلسطينية تداعيات متشابكة لحرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بين القتل والإصابة والنزوح وفقدان أفراد الأسرة، إلى جانب الاعتقال والتنكيل في السجون، وتدهور الأوضاع الصحية والمعيشية، وانهيار فرص العمل ومصادر الدخل. وفي الضفة الغربية، تتواصل معاناة النساء في ظل الاقتحامات والهدم والتهجير القسري واعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين.

وتكشف مؤشرات استعرضها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة شؤون المرأة، بمناسبة اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية الذي يصادف 26 تشرين الأول/أكتوبر، عن حجم الأعباء التي تتحملها النساء والفتيات في مختلف المناطق الفلسطينية، في ظل ظروف استثنائية تتداخل فيها الخسائر البشرية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية.

وبحسب البيان، بلغ عدد النساء في فلسطين نحو 2.75 مليون امرأة مع نهاية عام 2025، يشكّلن قرابة 49% من إجمالي السكان، منهن 1.69 مليون امرأة في الضفة الغربية و1.06 مليون امرأة في قطاع غزة. ورغم هذا الحضور السكاني، تواجه النساء تحديات متصاعدة تمس حياتهن وأسرهن وحقوقهن الأساسية.

حرب الإبادة.. آلاف الشهيدات والأمهات والصحفيات

في قطاع غزة، دفعت النساء ثمناً باهظاً جراء العدوان المتواصل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ أشار البيان إلى استشهاد أكثر من 12,500 امرأة، ضمن حصيلة إجمالية بلغت 74,382 شهيداً حتى 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وفق الأرقام الواردة عن وزارة الصحة الفلسطينية.

ومن بين الشهيدات، أكثر من 9,000 أم، في خسارة لا تقتصر على الأرواح، بل تمتد إلى تفكك الأسر وفقدان الأطفال أمهاتهم، وترك عائلات كاملة في مواجهة أعباء الحياة من دون معيل أو رعاية. كما استشهدت 42 صحفية خلال العدوان، وفق البيان، في مؤشر على الخسائر التي طالت النساء العاملات في المجال الإعلامي.

ولم تتوقف الخسائر عند الشهداء، إذ بلغ عدد الجرحى في قطاع غزة 175,416 جريحاً حتى التاريخ ذاته، وشكّلت النساء نحو 14% منهم. كما قدّر البيان عدد الإصابات المباشرة بين النساء بنحو 24,537 حالة، تواجه كثيرات من المصابات في أعقابها إعاقات دائمة وآثاراً نفسية قاسية، إلى جانب صعوبات الحصول على العلاج والتأهيل في ظل تدهور الخدمات الصحية.

ويضاف إلى ذلك وجود نحو 9,500 مفقود تحت الأنقاض، وفق الأرقام الواردة في البيان، فضلاً عن النزوح المتكرر لأكثر من مليوني فلسطيني داخل القطاع، تشكّل النساء قرابة نصفهم، ويواجهن ظروفاً معيشية قاسية في مراكز الإيواء ومواقع النزوح.

وفي الضفة الغربية، لم تكن النساء بمنأى عن تداعيات العدوان؛ إذ أشار البيان إلى استشهاد 28 امرأة نتيجة هجمات قوات الاحتلال والمستوطنين منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، ضمن حصيلة إجمالية بلغت 1,216 شهيداً في الضفة خلال الفترة نفسها.

الأسيرات الفلسطينيات.. اعتقال وتنكيل وغياب للمعلومات

تمتد الانتهاكات إلى النساء الفلسطينيات داخل سجون الاحتلال، حيث تتواصل الاعتقالات في الضفة الغربية بما فيها القدس، فيما لا تتوفر معلومات دقيقة عن أعداد المعتقلات من قطاع غزة، في ظل ما وصفه البيان باستمرار جريمة الإخفاء القسري.

ووفق تقرير مؤسسات الأسرى الذي استند إليه البيان، سُجلت أكثر من 26 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية بما فيها القدس منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، من بينها 800 حالة اعتقال بحق النساء.

وبلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال 9,300 أسير وأسيرة حتى التاريخ ذاته، من بينهم 87 أسيرة، بينهن 21 معتقلة إدارياً، وفق البيان. وأشار إلى تعرض الأسيرات لمنظومة من التنكيل والتعذيب الممنهج، في وقت لا تزال فيه المعلومات المتعلقة بالمعتقلات من قطاع غزة غير مكتملة، مع تقديرات بأن حالات الاعتقال هناك تصل إلى الآلاف.

وتضع هذه المعطيات قضية الأسيرات ضمن أبرز الملفات التي تستدعي المتابعة، لا سيما في ظل صعوبة الوصول إلى معلومات تفصيلية عن أوضاع المعتقلات، والحاجة إلى ضمان حمايتهن وحقوقهن داخل السجون.

النزوح وفقدان المعيل.. أعباء متزايدة على النساء

لم تقتصر آثار العدوان على القتل والإصابة، بل امتدت إلى بنية الأسرة الفلسطينية، مع فقدان آلاف النساء أزواجهن وتحملهن مسؤولية إعالة أطفالهن ورعاية أسرهن في ظروف بالغة الصعوبة.

وأشار البيان إلى أن 28,560 امرأة فقدن أزواجهن في قطاع غزة وأصبحن أرامل، فيما ارتفعت نسبة الأسر التي ترأسها نساء من 12% قبل العدوان إلى نحو 18% حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025، بزيادة نسبية بلغت 50%.

وبحسب بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2026 الواردة في البيان، ترأس النساء نحو 86,290 أسرة في القطاع، أي ما يقارب ربع الأسر، ويشمل ذلك الأرامل والنساء اللواتي غاب أزواجهن بسبب الفقد أو الاعتقال أو الإصابة البالغة.

وتواجه هذه الأسر تحديات متراكمة، في مقدمتها فقدان مصادر الدخل وتراجع القدرة على تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، إلى جانب مسؤولية رعاية الأطفال وتوفير احتياجاتهم النفسية والصحية والتعليمية. ومع استمرار النزوح وتضرر المنازل، تجد كثير من النساء أنفسهن أمام مسؤوليات مضاعفة في ظل تراجع شبكات الدعم وصعوبة الوصول إلى الخدمات.

وفي قطاع غزة، تضررت أو دُمّرت نحو 328,627 وحدة سكنية حتى تموز/يوليو 2026، وفق البيان، فيما يعيش نحو 1.4 مليون نازح موزعين على قرابة ألف موقع ومحور إيواء. كما فقد أكثر من 125 ألف خيمة صلاحيتها للإقامة من أصل 135 ألف خيمة، ما يزيد من صعوبة توفير الحد الأدنى من الخصوصية والأمان للنساء والفتيات.

أما في الضفة الغربية، فقد هدم الاحتلال أو صادر أكثر من 4,750 منشأة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وأيلول/سبتمبر 2026، بينها 1,720 مسكناً مأهولاً، ما أسفر عن تهجير قسري لأكثر من 8,660 فلسطينياً، من بينهم 2,400 امرأة ونحو 3,700 طفل، بحسب البيانات الواردة في البيان.

انهيار القطاع الصحي يهدد حياة النساء والمواليد

تتفاقم معاناة النساء في قطاع غزة مع انهيار المنظومة الصحية وتراجع القدرة على توفير خدمات الأمومة والطفولة والطوارئ والرعاية التخصصية. ووفق البيان، تضررت أو دُمّرت نحو 94% من مرافق الرعاية الصحية، الأمر الذي يحدّ من قدرة النساء على الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية، ويزيد المخاطر المرتبطة بالحمل والولادة.

وأشار البيان إلى وجود نحو 50 ألف امرأة حامل في القطاع، بمعدل يصل إلى 180 ولادة يومياً، في ظل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتدهور خدمات صحة الأم والوليد. كما سُجلت أكثر من 12 ألف حالة إجهاض بين الحوامل، وعشرات الآلاف من المخاطر المرتبطة بسوء التغذية وانعدام الرعاية الصحية المناسبة.

وخلال النصف الأول من عام 2026، سُجلت أكثر من 3,950 حالة فقدان حمل، فيما بلغت نسبة فقر الدم بين الحوامل 57.1%، وفق الأرقام الواردة في البيان. كذلك، أشارت التقديرات إلى أن نحو 24,600 امرأة حامل ومرضع يعانين من سوء التغذية الحاد، وأن نحو 107 آلاف امرأة حامل ومرضع معرضات لخطر نقص الرعاية الصحية الأساسية أو انعدامها.

وتكشف هذه المؤشرات عن مخاطر تتجاوز الحالة الصحية الفردية للنساء، لتطال حياة المواليد ومستقبل الأسر، في ظل صعوبة الحصول على الغذاء والعلاج والرعاية المتخصصة. كما ارتفع معدل وفيات النساء في سن الإنجاب خلال عام 2025 إلى 5.9 وفاة لكل ألف امرأة من الفئة العمرية نفسها، مقارنة بـ0.7 وفاة لكل ألف في عام 2022، بحسب البيان.

الاقتصاد وبطالة النساء.. فرص العمل تتآكل

على الصعيد الاقتصادي، ألقى العدوان بظلاله على قدرة النساء الفلسطينيات على العمل وتأمين مصادر دخل مستقرة، مع انهيار سوق العمل في قطاع غزة وارتفاع معدلات البطالة، واستمرار الفجوات في فرص العمل والأجور والحقوق العمالية في الضفة الغربية.

وبحسب بيانات البيان، بلغت البطالة بين النساء في قطاع غزة 92%، مقابل 81% بين الرجال، رغم ارتفاع مشاركة النساء في القوى العاملة من 17% قبل العدوان إلى 20% في الفترة المشار إليها خلال عام 2025. كما بلغت البطالة بين الشابات الحاصلات على دبلوم متوسط فأعلى 86%، مقابل 70% بين الشبان من الفئة التعليمية نفسها.

وتعكس هذه الأرقام حجم الانكماش الذي أصاب فرص العمل في القطاع، وما يترتب عليه من تراجع قدرة النساء على إعالة أسرهن، خصوصاً الأرامل والنساء اللواتي فقدن أزواجهن أو مصادر دخلهن. كما أن تدمير المنشآت السكنية والتجارية والزراعية وتضرر البنية التحتية يضعف فرص استعادة النشاط الاقتصادي، ويجعل الاعتماد على المساعدات الإنسانية ضرورة متزايدة لدى كثير من الأسر.

وفي الضفة الغربية، أظهرت بيانات مسح القوى العاملة للربع الثاني من عام 2026 أن 18% فقط من النساء في سن العمل يشاركن في القوى العاملة، بينما بلغ معدل البطالة بينهن 31%. وفي المقابل، بلغت نسبة مشاركة الرجال في القوى العاملة 71%، ووصلت البطالة بينهم إلى 27%.

وتبرز الفجوة بصورة أوضح بين الشباب الحاصلين على دبلوم متوسط فأعلى، إذ بلغت البطالة بين الفئة العمرية من 19 إلى 29 عاماً 38%، بواقع 51% بين الإناث مقابل 23% بين الذكور.

ولا تتوقف التحديات عند قلة فرص العمل، بل تمتد إلى ظروف التشغيل والحقوق العمالية؛ إذ أشار البيان إلى أن 32% من العاملات يتقاضين أجوراً تقل عن الحد الأدنى للأجور، فيما تفتقر 23% من المستخدمات بأجر إلى عقود عمل رسمية، وتُحرم 48% منهن من حقوق عمالية أساسية.

وتعني هذه المؤشرات أن النساء يواجهن عوائق مزدوجة: محدودية الوصول إلى سوق العمل من جهة، وضعف الحماية والاستقرار الوظيفي عند الحصول على عمل من جهة أخرى، ما يفاقم هشاشة أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.

التعليم والصمود رغم الدمار

امتدت آثار العدوان إلى قطاع التعليم، الذي تعرض لتدمير واسع في قطاع غزة، حيث أشار البيان إلى تدمير أكثر من 179 مدرسة حكومية و105 مدارس تابعة للأونروا، إضافة إلى 63 مبنى جامعياً. كما أورد استشهاد أكثر من 19,189 طالباً وطالبة في التعليم المدرسي، و1,386 طالباً وطالبة في التعليم العالي، إلى جانب 805 من المعلمين والإداريين.

ورغم هذه الخسائر، تظهر البيانات الواردة في البيان استمرار حضور النساء والفتيات في مسارات التعليم بالضفة الغربية؛ إذ بلغت معدلات القراءة والكتابة بين الإناث 97% خلال عام 2025، وارتفعت إلى 99% بين الشابات في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً. كما شكّلت الإناث نحو 66% من إجمالي الطلبة الملتحقين بالجامعات، فيما بلغت نسبة المعلمات 64% من كادر المدارس الحكومية.

ويبرز هذا التباين بين الدمار الذي أصاب المؤسسات التعليمية في غزة واستمرار مشاركة النساء في التعليم بالضفة حجم التحديات التي تواجهها الفتيات الفلسطينيات، وضرورة ضمان حقهن في التعلم والوصول الآمن إلى المؤسسات التعليمية.

حماية النساء ومشاركتهن في التعافي

في مواجهة هذه الظروف، تؤكد وزارة شؤون المرأة أهمية الانتقال من الاستجابة للحالات الفردية إلى بناء منظومة وطنية للحماية والمساءلة والتمكين، بالاستناد إلى بيانات موثوقة ومصنفة حسب الجنس والعمر والمنطقة. كما أطلقت الوزارة، في الرابع من أيار/مايو 2026، المرصد الوطني لرصد العنف ضد المرأة، بهدف رصد أشكال العنف وتحليلها وتوجيه السياسات والتدخلات وفق المؤشرات والفجوات.

وتشدد الوزارة على أن النساء الفلسطينيات لا ينبغي النظر إليهن باعتبارهن متلقيات للمساعدات والحماية فحسب، بل شريكات أساسيات في صنع القرار والتعافي وإعادة الإعمار. ويشمل ذلك توسيع فرص وصولهن إلى الموارد والتمويل والأسواق، وتعزيز حقوقهن في العمل، وضمان مشاركتهن في تحديد الأولويات التي تمس حياتهن وأسرهن ومجتمعاتهن.

وتُظهر المؤشرات الواردة في البيان أن آثار العدوان على المرأة الفلسطينية تتداخل فيها الخسائر البشرية مع الاعتقال والنزوح وانهيار الخدمات الصحية وتراجع فرص العمل. وبينما تتحمل النساء أعباء متزايدة في رعاية أسرهن والحفاظ على مقومات الحياة، تظل الحماية الفعلية لحقوقهن مرتبطة بضمان وصول المساعدات والخدمات الأساسية، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وتوفير شروط التعافي وإعادة الإعمار والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية.