شبكة قدس الإخبارية - 10/27/2026 4:19:06 PM - GMT (+2 )
ترجمة خاصة - شبكة قدس: ترى الكاتبة داليا داسا كاي، في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز»، أن نفوذ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في رسم سياسات الأمن القومي لن ينتهي حتى لو خسر الانتخابات وغادر السلطة، بعدما نجح على مدى سنوات في ترسيخ رفض قيام دولة فلسطينية، وتوسيع الاستيطان، وتكريس الاعتماد على القوة العسكرية في التعامل مع إيران ومحيط الاحتلال الإقليمي.
وتقول كاي إن نتنياهو، الذي يعد الأطول بقاء في منصب رئاسة الحكومة، أعاد تشكيل النقاش السياسي والأمني داخل المجتمع الإسرائيلي، بحيث انتقلت مواقفه المتشددة من كونها خيارات خلافية إلى توجهات تحظى بقبول واسع داخل المؤسسة السياسية والأمنية، وهو ما يجعل أي حكومة مقبلة تتحرك ضمن حدود رسمها خلال سنوات حكمه.
وتضيف أن مستقبل سياسات الاحتلال لن يتحدد فقط بنتائج الانتخابات أو بتغيير القيادة، بل أيضا بغياب بديل سياسي يطرح رؤية مختلفة للتعامل مع الفلسطينيين والمنطقة، وباستمرار الدعم الأميركي الذي أتاح لنتنياهو اتباع سياسات تقوض فرص التسوية السياسية.
حل الدولتين خارج النقاشتشير الكاتبة إلى أن رفض التطلعات الوطنية الفلسطينية ليس جديدا في السياسة الإسرائيلية؛ فقد سبق لعدد من رؤساء الحكومات، بينهم غولدا مائير ومناحيم بيغن وإسحاق شامير، أن عارضوا الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية أو الحد من التمثيل الفلسطيني المستقل.
لكنها ترى أن التحول الأبرز في عهد نتنياهو يتمثل في تراجع فكرة إقامة دولة فلسطينية من النقاش السياسي السائد، بعدما تعاقبت إخفاقات المسار التفاوضي، وتوسعت المستوطنات، وتعززت السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
وتلفت إلى أن اغتيال رئيس الحكومة الأسبق إسحاق رابين عام 1995، والعمليات التي نفذتها المقاومة الفلسطينية خلال تسعينيات القرن الماضي، أسهما في تعميق الشكوك الإسرائيلية بشأن فرص السلام، ومهدا لعودة نتنياهو إلى السلطة عام 1996. ومع ذلك، أبقى قادة إسرائيليون لاحقون، بينهم إيهود باراك وإيهود أولمرت، باب المفاوضات والتنازلات الإقليمية مفتوحا، رغم فشل جهودهم في التوصل إلى اتفاق نهائي.
وتشير كاي إلى أن رئيس الحكومة الأسبق أرييل شارون، رغم مواقفه المتشددة، أقدم عام 2005 على إخلاء مستوطنات في قطاع غزة وسحب القوات البرية منه. غير أن غياب التسوية السياسية، وسيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007، وتكرار الحروب بين الاحتلال والحركة، عززت الاتجاهات الرافضة للانسحاب من الأراضي الفلسطينية.
وبحسب الكاتبة، استثمر نتنياهو هذه التطورات لتكريس موقفه القائل إن الانسحابات الإسرائيلية السابقة أدت إلى تدهور الوضع الأمني، مستخدما ذلك لتبرير رفض التنازلات الإقليمية. كما أسهم توسيع المستوطنات، وتعميق الانقسام بين حماس والسلطة الفلسطينية، في إضعاف فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وقابلة للحياة.
وترى أن هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية على غزة دفعتا هذا التحول إلى مرحلة أعمق، إذ تراجعت الدعوات السياسية الإسرائيلية لإنهاء الاحتلال، بينما اتسعت السيطرة العسكرية على أراض في القطاع، وتصاعدت اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وسط ما تصفه الكاتبة بتسامح الحكومة والجيش مع تلك الاعتداءات.
وتخلص إلى أن الفلسطينيين باتوا يواجهون ظروفا تضع البقاء والصمود في صدارة أولوياتهم، في وقت لا يظهر فيه مسار سياسي واضح يعيد حل الدولتين إلى واجهة النقاش، سواء بقي نتنياهو في السلطة أم غادرها.
إيران.. من الدبلوماسية إلى المواجهة العسكريةوفي ما يتعلق بإيران، تقول كاي إن نتنياهو تبنى منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي موقفا متشددا، حذر فيه مرارا من البرنامج النووي الإيراني، ودعا إلى التعامل معه باعتباره تهديدا ينبغي القضاء عليه.
وتوضح أن الخلافات داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية بشأن الخيارات المتاحة للتعامل مع طهران كانت أوسع في السابق، إذ عارض مسؤولون أمنيون سابقون، من بينهم الرئيس الأسبق لجهاز الموساد مئير داغان، توجيه ضربة عسكرية، وشككوا في قدرتها على تحقيق أهدافها.
وتشير إلى أن التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، بعد مفاوضات دبلوماسية، شكّل نقطة خلاف حادة بين نتنياهو وإدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. فقد عارض نتنياهو الاتفاق وسعى إلى إفشاله، بينما رأى مسؤولون إسرائيليون أن الاتفاق قد يؤخر امتلاك إيران قدرات نووية، ويحمل فوائد أمنية رغم تحفظاتهم عليه.
وتضيف أن انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018، واستئناف إيران أنشطة تخصيب اليورانيوم، أتاحا لنتنياهو تجديد العمليات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية، بما في ذلك استهداف منشآت نووية واغتيال علماء، وفق ما نسبته تقارير واسعة إلى الاستخبارات الإسرائيلية.
وتقول الكاتبة إن تغير حكومات الاحتلال لم يؤد إلى تحول جوهري في هذا النهج؛ فحكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد، التي تولت السلطة بين عامي 2021 و2022، عارضت بدورها عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، وإن اتسمت مواقفها بقدر أقل من التصعيد العلني مقارنة بحكومة نتنياهو.
وبعد السابع من أكتوبر، اتسعت المواجهة الإسرائيلية مع إيران والقوى المتحالفة معها، وشملت ضربات في طهران وبيروت، وتبادلا للهجمات الصاروخية بين الاحتلال وإيران خلال عام 2024. وترى كاي أن قطاعات واسعة من المعارضة الإسرائيلية أيدت التحركات العسكرية، رغم انتقادات وجهت إلى نتنياهو بشأن توقيت بعض الهجمات ودوافعه السياسية.
وتعتبر أن هذا التوافق يعكس تحولا أعمق في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على تفضيل العمل العسكري الاستباقي على المسارات الدبلوماسية، سواء في الأراضي الفلسطينية أو في لبنان وسوريا، وصولا إلى توسيع نطاق العمليات الإسرائيلية في المنطقة.
تغيير الحكومة لا يعني تغيير النهجوترجح كاي أن يظل النهج الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين وإيران قائما حتى في حال خسارة نتنياهو السلطة، بسبب محدودية الفوارق بينه وبين أبرز قادة المعارضة في القضايا الأمنية والاستراتيجية.
وتشير إلى أن شخصيات معارضة، من بينها غادي آيزنكوت، قد تتبنى مقاربة مختلفة في بعض الملفات، مثل الحد من عنف المستوطنين أو إبطاء التوسع الاستيطاني، لكنها لا تدعو إلى إنهاء الاحتلال أو الدفع جديا نحو إقامة دولة فلسطينية. كما أن شخصيات أخرى، بينها نفتالي بينيت، ترفض قيام دولة فلسطينية وتؤيد توسيع المستوطنات.
وفي غزة، ترى الكاتبة أن حكومة جديدة قد تكون أكثر استعدادا لدفع بعض المبادرات السياسية أو خطط وقف إطلاق النار، لكنها لن تتخلى بالضرورة عن السيطرة الإسرائيلية على القطاع ما لم يتحقق نزع سلاح حماس بالكامل، وهو ما يعكس استمرار أولوية الاعتبارات الأمنية والعسكرية على التسوية السياسية.
وتنقل كاي عن الباحث في شؤون الشرق الأوسط ناثان براون أن النقاش داخل إسرائيل بات يركز بصورة متزايدة على كيفية ممارسة الهيمنة الإسرائيلية، بدلا من التساؤل عن ضرورة استمرارها.
كما ترى أن فرص التوصل إلى تفاهم أمني مع سوريا تظل محدودة في ظل معارضة شخصيات إسرائيلية بارزة الانسحاب من المناطق الحدودية، بينما لا يظهر في المشهد السياسي الإسرائيلي تيار رئيسي يدعو إلى تغيير جذري في سياسة المواجهة مع إيران.
وتلفت إلى أن بعض قادة المعارضة يطالبون بتوسيع الضربات العسكرية ضد إيران لتشمل منشآت الطاقة، بما يعكس اتساع القبول السياسي باستخدام القوة بدلا من العودة إلى الدبلوماسية.
غياب البديل والضغط الأميركيوتعزو الكاتبة رسوخ نهج نتنياهو إلى غياب قيادة معارضة قادرة على تقديم رؤية مختلفة جذريا للأمن القومي الإسرائيلي، وإلى تراجع النقاش الجاد بشأن كلفة الاحتلال والتوسع الاستيطاني والحروب المتكررة.
وتقول إن نتنياهو لم يواجه ضغطا أميركيا كافيا لوقف سياسات تقوض فرص السلام، بما فيها توسيع المستوطنات وتدمير قطاع غزة. كما ساعد استعداد بعض الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع الاحتلال دون اشتراط تقدم ملموس نحو إقامة دولة فلسطينية على تقليص الضغوط السياسية عليه.
وترى أن تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية لدى بعض الحكومات العربية لا يعني انتهاء تأثيرها؛ إذ لا يزال وضع الفلسطينيين عاملا مؤثرا في الرأي العام الإقليمي، ويحد من فرص التوسع في اتفاقيات التطبيع، بما فيها أي اتفاق محتمل بين الاحتلال والسعودية.
وتحذر من أن اعتماد الاحتلال على تفوقه العسكري والتكنولوجي، والتعامل مع القوة باعتبارها أداة رئيسية لضمان الأمن، قد يعمقان التصورات الإقليمية التي ترى فيه مصدر تهديد، بدلا من تعزيز اندماجه في المنطقة.
وتخلص داليا داسا كاي إلى أن تغيير السياسات الأمنية الإسرائيلية يتطلب ظهور قيادة تطرح مسارا بديلا لتحقيق سلام دائم، إلى جانب تحول في السياسة الأميركية ينهي توفير الغطاء لاستمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني والتصعيد العسكري.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


