ماذا ينتظر الفلسطينيون من الانتخابات الإسرائيلية؟.. أوهام السياسة وعقبات الإعمار في غزة
وكالة سوا الاخبارية -
2026/10/28

تتابع الأوساط الفلسطينية والإقليمية التحولات والتطورات السياسية داخل المشهد الإسرائيلي الشديد التعقيد، وفي مقدمتها نتائج انتخابات الكنيست ، على أمل أن تسفر هذه التوازنات السياسية عن كسر دوامة الحرب، وإنهاء المعاناة الإنسانية، والانتقال بنحو ملموس نحو مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار؛ تترجم هذه المتابعة الشغوفة في الشارع الفلسطيني حجم المعاناة الهائلة والأمل الإنساني البسيط في توقف آلة الدمار، والبحث عن أي نافذة أمل ت فتح الباب أمام الاستقرار؛ غير أن القراءة الواعية للتاريخ والسياسة تفرض الموازنة بين هذا الأمل المشروع، وبين الحدود الفردية والهيكلية للسياسة الإسرائيلية الاحتلالية، والتحديات اللوجستية والمالية الضخمة التي تحكم ملف إعادة إعمار قطاع غزة .
وفي هذا السياق، تُظهر القراءة التحليلية للخريطة السياسية الإسرائيلية وجود توافق وإجماع عريض بين غالبية الأحزاب الكبرى حول الملفات الأمنية والعسكرية وموقفها من الحقوق الفلسطينية، حتى وإن اختلفت حادّاً في القضايا الداخلية كشكل الحكم ومكانة القضاء؛ وتتراوح السيناريوهات الانتخابية الإسرائيلية وتأثيرها المباشر على التهدئة والإعمار؛ فبينما يعتمد سيناريو ائتلاف اليمين واليمين المتطرف على نهج الضغط العسكري، وفرض الاشتراطات الأمنية الصارمة، والاستمرار في تقييد الحركة ومراقبة المعابر، مما يرجح فرض تهدئة هشّة ومصاحبة لتباطؤ وتأخير حاد في الإعمار، يميل معسكر الوسط واليمين المعتدل نحو تثبيت وقف إطلاق النار عبر التنسيق الإقليمي والدولي، وتأمين التسهيلات الإنسانية وإدخال مستلزمات البناء، مع الاحتفاظ بالسقف الأمني الأساسي. أما في حال ذهاب المشهد نحو حكومة وحدة أو انسداد برلماني، فإن النتائج تتأرجح بين إدارة هادئة للصراع تسمح بتقدم جزئي لمشاريع التعافي، أو تجميد كامل للقرارات المصيرية والاعتماد على الحد الأدنى من المساعدات الطارئة؛ وهذا ما يؤكد أن الرهان على نتائج الانتخابات الإسرائيلية وحدها لإحداث تغيير جذري هو رهان خاسر ما لم يرافقه تغيير في النهج السياسي العام وإرادة دولية ضاغطة. 
وامتداداً لهذا التفاعل السياسي، تُعد الضغوط والتوافقات الإقليمية والدولية المحرك الأساسي لإلزام أي حكومة إسرائيلية قادمة بفتح المعابر والسماح بدخول مواد البناء. وتتبلور هذه الضغوط في تمسك الدول المانحة بعدم ضخ أموال الإعمار ما لم تكن هناك تسهيلات وضمانات حقيقية لتنفيذ المشاريع، فضلاً عن السعي الحثيث لتعديل قائمة المواد "مزدوجة الاستخدام" كالأسمنت والحديد بنظم رقابة تكنولوجية ودولية مرنة. يرافق ذلك قناعة راسخة لدى المجتمع الدولي والوسطاء بأن ترك غزة دون بناء هو قنبلة موقوتة، مما يفرض السعي نحو إيجاد صيغ رقابية موثوقة ومقبولة لإدارة التوريد والمناقصات بشفافية عبر طرف ثالث.
ولتفادي ثغرات التجارب السابقة، تطرح المؤسسات الدولية عدة أطر تنظيمية وإدارية؛ حيث برزت فكرة الصناديق الائتمانية متعددة المانحين بقيادة البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتوحيد التمويل والرقابة، إلى جانب تفعيل "مجلس السلام" الدولي والإشراف على اللجنة الوطنية لإدارة غزة (لجنة التكنوقراط) لضمان إدارة الشأن المدني والخدماتي وإبعاد الإعمار عن التجاذبات الفصائلية، غير أن نجاح هذه الآليات والترتيبات يظل مرهوناً بمدى استجابة الحكومة الإسرائيلية المنبثقة عن الانتخابات لمتطلبات هذا المسار، وإشراك لسلطة الوطنية والمؤسسات المحلية والقطاع الخاص والكفاءات الفلسطينية ليكونوا شريكاً أصيلاً، منعاً لتحويل الإعمار إلى وصاية خارجية معطلة، و يضاف إلى ذلك توجه دولي نحو التركيز على دعم القطاع الخاص المحلي والمقاولين لتشغيل شبكات المياه والكهرباء والخدمات وتدوير العجلة الاقتصادية، مع إتاحة المجال للرعاية الإقليمية المباشرة التي تتيح لبعض الدول المانحة التكفل بقطاعات ومناطق محددة للإنجاز السريع. 
وعلى خلفية هذه الترتيبات الإدارية والمؤسسية، يغدو التمييز بين المدى الزمني والميداني لمرحلتي التعافي والإعمار ركيزة أساسية لوضع التوقعات الصحيحة، تمتد مرحلة التعافي المبكر عادة من ستة أشهر إلى سنتين، وتستهدف إنقاذ الحياة واستعادة الكرامة من خلال فتح الطرق، ورفع المخاطر، وتوفير المأوى المؤقت كالكرفانات وبدل الإيجار، وتشغيل المستشفيات الميدانية؛ وعلى العكس من ذلك، تأتي مرحلة إعادة الإعمار الشاملة كعملية طويلة الأجل تمتد من ثلاث إلى عشر سنوات، وتتطلب استقراراً سياسياً وتوافقاً دولياً كلياً لإقامة الأحياء السكنية الدائمة، وتشييد البنية التحتية الضخمة كمحطات المياه والكهرباء والموانئ والمؤسسات التعليمية والحكومية.
وفي غضون ذلك، تُمثل مشكلة الأنقاض والركام العقبة الأولى والأعقد قبل بدء أي عملية بناء حقيقية؛ حيث تُقدر الكميات المتراكمة بنحو ثمانية وستين مليون طن، في حين تبلغ التكلفة الإجمالية للتعافي وإعادة الإعمار وفق تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي نحو سبعين إلى واحد وسبعين مليار دولار أمريكي،  وتشير التقديرات الفنية إلى أن عملية إزالة الركام وحدها ستستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات كحد أدنى، وتواجه خطورة اختلاط الأنقاض بالذخائر غير المنفجرة التي تتطلب مسحاً أمنياً دقيقاً، إضافة إلى وجود رفات ومفقودين يستدعي التعامل معهم برعاية وإجراءات فرز دقيقة.
أخيراً، وتتويجاً لهذا المشهد المعقد، تبرز المحاذير البيئية والصحية الناتجة عن تفتيت الركام، وعلى رأسها انتشار مادة الأسبستوس السامة والانبعاثات الغازية وتلوث المياه الجوفية، وإن هذا التداخل المعقد بين السياسة الانتخابية الإسرائيلية، والأطر الدولية المستجدة كـ "مجلس السلام" ولجنة التكنوقراط، والواقع الميداني والبيئي المأساوي، يؤكد أن الأمل الفلسطيني في الخلاص يظل بحاجة إلى ما هو أبعد من مجرد تغير في الأسماء والوجوه داخل الكنيست؛ إنه يستدعي إرادة دولية حازمة وضغطاً جاداً يُنهي جذور الصراع ويؤمن مقومات العيش الكريم والتعافي المستدام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد