وكالة سوا الاخبارية - 10/29/2026 11:03:24 AM - GMT (+2 )
لم يكن التصويت العربي الواسع في انتخابات الكنيست الإسرائيلي مجرد سباق لزيادة عدد المقاعد، بل جاء تعبيراً سياسياً عن معركة تاريخية يخوضها الفلسطينيون في أراضي عام 1948 منذ النكبة ، عنوانها الأبرز البقاء على الأرض وتحدي مشاريع الاقتلاع والتهجير. ولعل المصادفة التاريخية اللافتة أن تتزامن هذه الانتخابات مع الذكرى السبعين لمجزرة كفر قاسم، التي ارتُكبت في التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1956، وكأن التاريخ يستحضر نفسه ليؤكد أن معركة البقاء لم تنتهِ، وأن أصحاب الأرض ما زالوا هنا.
قبل سبعين عاماً، أطلقت قوات حرس الحدود الإسرائيلية النار على 49 فلسطينياً من أبناء كفر قاسم، بينهم نساء وأطفال، كانوا عائدين من أعمالهم دون علمهم بقرار حظر التجول. لم تكن المجزرة حادثة معزولة، بل وقعت في ظل الحكم العسكري الذي فُرض على الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد النكبة، واستمر حتى عام 1966، وشهد سياسات قمع وتقييد للحركة ومصادرة للأراضي، في محاولة لإخضاع من أفشلوا، برفضهم الرحيل، استكمال مشروع الاقتلاع. وبعد سبعين عاماً، ما زالت العدالة غائبة، وما زالت العقلية التي أنتجت المجزرة حاضرة في سياسات التمييز والتحريض ودعوات التهجير.
لقد بقي هؤلاء الفلسطينيون كسنديانات الجليل والمثلث والنقب، متجذرين في أرضهم، يحرسون هويتها العربية وذاكرتها الوطنية. ولم تكن مهمتهم سهلة؛ فقد واجهوا سياسات التمييز والإقصاء الإسرائيلية، كما عانوا من جفاء فلسطيني وعربي لم ينصف مكانتهم ودورهم التاريخي، بل نظر إليهم البعض من زاوية المواطنة الإسرائيلية، متجاهلين حقيقة أنهم لم يذهبوا إلى إسرائيل، بل إن إسرائيل هي التي اغتصبت ارضهم وقامت فوقها.
وفي الثلاثين من آذار عام 1976، جاء يوم الأرض ليشكل منعطفاً تاريخياً في مسيرة هذا الصمود. فقد واجه الفلسطينيون مخططات مصادرة أراضيهم بالإضراب والتظاهر، وقدموا ستة شهداء، مؤكدين أن الأرض ليست مجرد ملكية، بل هوية ووجود وذاكرة ومستقبل. ومنذ ذلك اليوم، أصبح يوم الأرض مناسبة وطنية فلسطينية جامعة، تتجاوز حدود الجغرافيا التي فرضتها النكبة.
واليوم، بعد سبعين عاماً على كفر قاسم وخمسين عاماً على يوم الأرض، يأتي التصويت العربي الواسع ليضيف فصلاً جديداً إلى هذه المسيرة. فالنتائج الأولية التي تشير إلى ارتفاع تمثيل القائمتين العربيتين إلى نحو 19 مقعداً، لا يمكن فصلها عن تصاعد العنصرية الإسرائيلية، وقانون القومية، ودعوات التهجير، وحرب الإبادة على قطاع غزة ، فضلاً عن تفشي الجريمة المنظمة في المجتمع العربي والتقاعس الرسمي عن مواجهتها.
ولعل من أبلغ المفارقات التاريخية أن كفر قاسم نفسها، التي شهدت المجزرة قبل سبعين عاماً، سجلت في الانتخابات الأخيرة مشاركة بلغت 84.9%، في رسالة تؤكد أن أحفاد الذين واجهوا الرصاص يواصلون اليوم معركة البقاء بأدوات سياسية جديدة. ومن أبناء هذه المدينة الرفيق عادل عامر، الأمين العام للحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي يشكل ركيزة أساسية للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، إحدى القوى الرئيسية في القائمة المشتركة. إنها صورة تختصر سبعين عاماً من الصمود، وتؤكد أن المجزرة لم تنجح في اقتلاع الجذور أو إسكات الصوت الفلسطيني.
لقد أراد اليمين الإسرائيلي المتطرف دفع الفلسطينيين إلى الهامش، فجاءت مشاركتهم الواسعة لتؤكد أنهم قوة سياسية ومجتمعية لا يمكن شطبها من المعادلة. بل إن التحريض الذي أعقب الانتخابات، ومحاولات التشكيك في شرعية التصويت العربي، يكشفان حجم القلق الذي أحدثه هذا الحضور في حسابات اليمين الإسرائيلي.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه النتيجة لا تكمن في عدد المقاعد وحده، أو في قدرتها على التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة، خاصة أن التنافس الإسرائيلي يدور في جوهره بين يمين ويمين أكثر تطرفاً، بل في تحول صناديق الاقتراع إلى ساحة إضافية للدفاع عن الوجود والهوية والحقوق.
إن هذه المشاركة تضع أمام القوى السياسية العربية مسؤولية تحويل الزخم الانتخابي إلى وحدة عمل ونضال يومي، يحمي الأرض، ويواجه الجريمة والعنصرية، ويصون الهوية الوطنية، بعيداً عن الحسابات الفئوية الضيقة. كما تضع أمام الحركة الوطنية الفلسطينية والعالم العربي مسؤولية إنصاف هذا الجزء الأصيل من شعبنا، والاعتراف بدوره التاريخي في حماية الوجود الفلسطيني على أرضه.
وفي الذكرى السبعين لمجزرة كفر قاسم، يواصل أحفاد الذين تحدوا النكبة والحكم العسكري والمجازر ومصادرة الأراضي تأكيد الحقيقة التي عجزت كل مشاريع الاقتلاع عن تغييرها.
من كفر قاسم إلى يوم الأرض، وصولاً إلى صناديق الاقتراع، تتواصل معركة البقاء، وتتجدد رسالة الفلسطينيين الذين لم يغادروا أرضهم: هنا باقون، لم نرحل ولن نرحل، وتصويتهم اليوم يؤكد أن الارض بتتكلم عربي. 29-10-2026
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


