شبكة قدس الإخبارية - 10/29/2026 6:06:07 PM - GMT (+2 )
جنين - شبكة قدس الإخبارية: لم يكن عماد أبو الهيجاء يتخيّل أن يأتي يوم يقف فيه أمام ما بناه بيديه، لا ليصلحه أو يوسّعه، بل ليفكّكه استعدادًا للرحيل. ثلاثون عامًا من العمل في خربة سروج غربي بلدة اليامون، غرب جنين، تتقلّص اليوم أمامه إلى حظائر تُهدم وممتلكات تُجمع، فيما يظل السؤال الأصعب معلّقًا: إلى أين يذهب بعد كل هذه السنوات؟
يمدّ عماد يديه إلى ما تبقّى من حظائر أغنامه، ويحاول أن يتعامل مع ما يجري باعتباره أمرًا لا مفرّ منه. لم يعد الأمر متعلقًا بتغيير مكان السكن أو البحث عن أرض أخرى؛ فالعائلات التي أُجبرت على مغادرة الخربة لا تملك ترف اختيار موعد الرحيل ولا ظروفه. أمامها مهلة تضيق، وتهديد واضح بأن الجرافات ستدخل لتسوية المكان بالأرض إذا لم يبدأ السكان بتفكيك منشآتهم بأنفسهم.
يقول عماد إن الاحتلال أجبرهم على الرحيل بذريعة إقامة مشاريع ومناطق صناعية وبؤر استيطانية، مضيفًا: «نحن الآن نعيش نكبة ثانية ونفكك شقاء ثلاثين عامًا بنيناه بأيدينا، لنواجه التشتيت في العراء ومستقبلًا مجهولًا مع اقتراب فصل الشتاء، وسط غياب تام لتدخل المؤسسات الإنسانية والدولية».
في عبارته، لا تبدو السنوات الثلاثون مجرد مدة عاشها في المكان، بل حياة كاملة صار مطالبًا بالتخلي عن مقوماتها. فالحظائر التي أقامها لتربية الأغنام ليست أبنية منفصلة عن يومه؛ إنها جزء من مصدر رزقه، ومن تفاصيل الاستقرار الذي حاول أن يصنعه لعائلته. وحين تُفكّك، لا يبقى أمامه أن يبحث عن مأوى فحسب، بل أن يعيد ترتيب حياة ارتبطت بالأرض والعمل، من دون ضمانات لما ينتظره في الوجهة التالية.
لم يكن عماد وحده أمام هذا المصير. فقد بدأت عشر عائلات في خربة سروج إخلاء منازلها وحظائر الأغنام والدواجن، بعدما أبلغتها قوات الاحتلال بضرورة المغادرة الفورية. وطُلب من الأهالي إرسال صور ومقاطع فيديو تثبت شروعهم في هدم منشآتهم بأيديهم، تحت تهديد دخول الجرافات وتسوية الخربة بالأرض إذا لم يمتثلوا.
هكذا أصبح السكان مطالبين بتوثيق بداية خسارتهم، وكأن عليهم أن يثبتوا أنهم ينفذون الرحيل الذي فُرض عليهم. لا يُطلب منهم أن يختاروا ما يريدون الاحتفاظ به، أو أن يحصلوا على وقت كافٍ لتدبير شؤونهم، بل أن يشرعوا في تفكيك ما يملكونه قبل أن تتولى الجرافات المهمة.
ومع اقتراب الشتاء، يصبح الرحيل أكثر قسوة. فالعائلات لا تغادر منازلها وحدها، بل تترك وراءها أماكن عملها وحظائرها ومصادر رزقها، وتواجه الحاجة إلى العثور على مأوى جديد وتأمين حياة يمكن أن تستمر فيه. وبينما تتفكك المنشآت، لا تتوافر إجابة واضحة عن المكان الذي ستذهب إليه هذه العائلات، أو عن قدرتها على إعادة بناء ما خسرته.
لكن حكاية سروج لم تبدأ مع أوامر الإخلاء الأخيرة. جذورها أقدم من المنازل والحظائر التي يتركها السكان اليوم، وتمتد إلى قرية عين حوض في قضاء حيفا، التي هُجّرت منها عائلات الخربة قسرًا عام 1948. وبعد عامين، استقرت هذه العائلات في سروج، لتبدأ من جديد في مكان صار، مع مرور العقود، موطنًا لها.
منذ عام 1950، بنت العائلات حياتها في الخربة، وأقامت مساكنها ومنشآتها، وتمسكت بالأرض التي ارتبط بها وجودها اليومي. وبحسب منظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، تبلغ مساحة الخربة نحو ألف دونم، ويعيش فيها قرابة خمسين شخصًا موزعين على خمسة عشر منزلًا.
ويقول السكان إنهم يحتفظون بوثائق رسمية وكتب تفويض تعود إلى ستينيات القرن الماضي، تثبت حقوقهم في الأرض. غير أن هذه الوثائق لم تبدد مخاوفهم من الإخلاء، ولم تمنحهم اليقين بأنهم سيتمكنون من البقاء في المكان الذي استقروا فيه بعد تهجيرهم الأول.
وبين عين حوض وسروج، تتكرر الحكاية بصورة موجعة: عائلات اقتُلعت من قريتها عام 1948، ثم صنعت لنفسها حياة جديدة في مكان آخر، لتجد أحفاد هذه التجربة اليوم أمام تهديد اقتلاع جديد. لم تكن سروج بالنسبة إليهم مجرد محطة بعد النزوح، بل مكانًا امتدت فيه سنوات العمل والتربية وتكوين البيوت، حتى أصبح الرحيل عنه خسارة لما بنوه بعد الخسارة الأولى.
ولا تقف هذه الحكاية عند حدود الخربة. ففي محافظة جنين، تتسع الإجراءات التي تطال الأرض ومقومات العيش، وسط تصاعد الاستيطان ومصادرة الأراضي وتجريفها. وتشير بيانات رسمية إلى أن الاحتلال يسيطر على أكثر من 53% من مساحة المحافظة، فيما اقتُلع أكثر من 35 ألف شجرة زيتون، وصودرت أكثر من 570 دونمًا. وخلال الشهرين الأخيرين، هُدمت نحو 75 دفيئة زراعية ومتجرًا ومصنعًا ومنزلًا.
وفي وادي اللزّام ببلدة قباطية، بدأت جرافات الاحتلال شق طريق استيطاني على أراضي المواطنين، ضمن مساعٍ لربط مستوطنات وبؤر استيطانية عبر مناطق في المحافظة. وتتزامن هذه الإجراءات مع اعتداءات المستوطنين على المزارعين خلال موسم الزيتون، والقيود التي تفرضها قوات الاحتلال على وصولهم إلى أراضيهم.
وفي مخيم جنين، طالت عمليات التجريف المنازل والطرق وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، في ظل استمرار آثار التدمير الذي أصاب البنية الأساسية ومقومات الحياة لعشرات الآلاف من السكان. وتكشف هذه الوقائع، في أماكن مختلفة من المحافظة، كيف تتجاوز الخسارة هدم المباني إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم ومواصلة حياتهم فيها.
أما في سروج، فتُختصر هذه التحولات في رجل يفكّك ما بناه على مدى ثلاثين عامًا، وعائلات تبحث عن مكان تذهب إليه بعدما أُجبرت على ترك منازلها. الأرقام تشرح اتساع ما تتعرض له جنين، لكنها لا تستطيع أن تختصر ما يعنيه أن يبدأ الإنسان من الصفر مرة أخرى، أو أن يواجه الشتاء من دون أن يعرف أين سيقيم.
لا يملك عماد اليوم إجابة عن شكل الحياة بعد الرحيل. ما يملكه هو ذاكرة السنوات التي قضاها في الخربة، وتعبٌ صار عليه أن يفككه قطعةً قطعة، ومصير مفتوح على المجهول. وبينما تُجبر العائلات على إخلاء المكان، يبقى السؤال الذي لا تجيب عنه أوامر الاحتلال: كيف يمكن لمن بنى حياته من جديد بعد النكبة الأولى أن يبدأ مرة أخرى، بعدما بات المكان الذي احتمى به مهددًا بالفقد؟
في سروج، لا يعود الماضي ذكرى بعيدة؛ إنه يعود في صورة بيوت تُخلى، وحظائر تُفكك، وعائلات تستعد لرحيل لم تختره. وكأن السنوات التي قضتها هذه العائلات في بناء حياة جديدة لم تكن كافية لتحميها من تكرار الفقد، وكأن عليها أن تخوض رحلة النزوح مرة أخرى، حاملةً معها ما تستطيع من متاعها، تاركةً خلفها المكان الذي حاولت أن تجعله وطنًا.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


