النزوح: حين يصبح تنظيف البيت حلمًا بعيدًا
شبكة قدس الإخبارية -

من سينظّف البيت حين نعود؟ من سيشتري الأغراض التي نقصتنا؟ من سيفرش السجاد، ويرتّب الغرف، ويعزل النوافذ استعدادًا للشتاء؟ من سيعيد ترتيب الأشياء التي تركناها على عجل، ويزيح الغبار عن أثاث انتظر أصحابه طويلًا؟

أسئلة تبدو عادية في حياة أي عائلة، لكنها تصبح موجعة حين لا تعرف العائلة إن كانت ستعود إلى بيتها أصلًا، أو إن كان البيت ما يزال قائمًا، أو إن كانت يدها ستتمكن يومًا من فتح بابه مرة أخرى.

حين تصبح تفاصيل البيت أمنية

كم هو قاسٍ أن تتحوّل أحلام الإنسان من إضافة غرفة جديدة إلى البحث عن غرفة تؤويه، ومن التفكير في لون الستائر والسجاد إلى التفكير في مكان آمن ينام فيه أطفاله. أن يصبح ترتيب البيت أمنية، وتنظيف المطبخ حلمًا، والجلوس مع أفراد العائلة في غرفة واحدة رفاهية لا يملكها.

فالبيت ليس جدرانًا تحيط بنا، ولا سقفًا يحمينا من المطر فحسب. البيت هو المكان الذي نترك فيه تعبنا، ونخلع عند بابه أثقال الأيام. هو رائحة القهوة التي تسبق الصباح، وصوت الأواني في المطبخ، وضحكات الأطفال التي تقاطع هدوء المساء، ونداء الأم الذي يتكرر عشرات المرات دون أن نشعر بقيمته.

البيت هو الفوضى التي نشتكي منها، ثم نكتشف أنها كانت أجمل أشكال الحياة. هو حذاء صغير عند الباب، وملابس منشورة على الشرفة، وصورة عائلية لا نلتفت إليها كثيرًا، وسجادة اعتدنا الجلوس عليها حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتنا.

لكن ماذا يحدث حين يُقتلع الإنسان من كل ذلك دفعة واحدة؟

وجع واحد يتكرر في كل المناطق

في مختلف مناطق الضفة الغربية، من شمالها إلى جنوبها، تتشابه حكايات العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها. من جنين وطولكرم وطوباس ونابلس وسلفيت وقلقيلية، مرورًا برام الله والبيرة والقدس، وصولًا إلى بيت لحم والخليل، تتوزع حكايات النزوح القسري، وتتعدد صور الفقد، فيما يبقى الوجع واحدًا: أن يفقد الإنسان حقه في البقاء داخل المكان الذي ينتمي إليه.

هناك عائلات خرجت ولم تتمكن من أخذ سوى القليل من ملابسها، وأخرى تركت خلفها كل ما تملك، وهناك من شاهد منزله يُهدم أمام عينيه، غرفةً بعد غرفة، فيما تتساقط معه سنوات من التعب والانتظار والذكريات.

تخيّل أن تقف أمام بيتك، المكان الذي بنيته حجرًا حجرًا، وتعرف أن كل زاوية فيه تحمل حكاية، ثم تشاهد الجدران التي احتضنت أبناءك تتحول إلى ركام. كيف يمكن أن تشرح لطفلك أن غرفته لم تعد موجودة؟ كيف تخبره أن ألعابه وكتبه ورسوماته التي تركها على الجدران ربما لن يجدها مرة أخرى؟

وتخيّل أمًّا غادرت منزلها وهي تفكر في الطعام الذي تركته في المطبخ، وفي الملابس التي لم تلحق بجمعها، وفي فراش أطفالها الذي بقي مرتبًا كما لو أنهم سيعودون بعد ساعات. وتخيّل أبًا يحمل مفاتيح بيته، يتفقدها في جيبه بين الحين والآخر، مع أنه لا يعرف إن كان الباب الذي صُنعت لتفتحه ما يزال موجودًا.

بعض الناس لا يعرفون كيف يصفون وجعهم، لأنهم لم يفقدوا شيئًا واحدًا يمكن تعويضه؛ لقد فقدوا المكان الذي كانت تجتمع فيه أشياؤهم وأحبتهم وأعمارهم. وحتى حين يجدون مأوى مؤقتًا، يبقى شيء منهم هناك، في البيت الذي تركوه، في سرير لم يعد لهم، وفي نافذة لن يطلّوا منها على الصباح.

الشتاء يعيد السؤال الأقسى

ومع اقتراب الشتاء، يصبح السؤال أكثر قسوة. فبينما تستعد العائلات لشراء الأغطية، وعزل النوافذ، وترتيب البيوت لمواجهة البرد، هناك عائلات لا تعرف أين ستنام، ولا كيف ستحمي أطفالها من المطر، ولا أين ستضع أغراضها القليلة التي نجت من الرحيل.

كم هو موجع أن تنشغل عائلة بالتفكير في تدفئة غرفة أطفالها، بينما تنشغل عائلة أخرى بالبحث عن غرفة تؤوي أطفالها أصلًا.

إن النزوح ليس أن تحمل حقيبة وتغادر، وليس أن تجد مكانًا آخر تقيم فيه. النزوح أن تفقد إحساسك بأن لك مكانًا ثابتًا في هذه الدنيا، أن تصبح ضيفًا في أماكن الآخرين، وأن تظلّ عيناك معلقتين بطريق العودة، مهما حاولت أن تتأقلم مع الغياب.

ولعلّ أكثر ما يستحق التفكير هو تلك الحياة التي توقفت فجأة؛ خطط لم تكتمل، وأغراض لم تُشترَ، وغرف كان أصحابها ينوون طلاءها، وبيوت كانت تنتظر إصلاحًا بسيطًا قبل الشتاء. كم من شخص خرج من منزله وهو يؤجل ترتيب خزانة، أو إصلاح نافذة، أو شراء سجادة جديدة، معتقدًا أن أمامه وقتًا طويلًا.

لم يكن أحد يتخيّل أن تصبح هذه التفاصيل أمنيات.

ليست المأساة أن يفقد الإنسان أثاث بيته فقط، بل أن يفقد حقه في أن يعيش حياة عادية؛ أن ينظف بيته، ويشتري احتياجاته، ويفرش سجاده، ويختلف مع أبنائه على ترتيب الغرف، ثم ينام مطمئنًا لأنه في بيته.

إلى كل من ترك منزله قسرًا، إلى كل أمّ ما زالت تتذكر ترتيب مطبخها، وكل طفل يسأل عن لعبته، وكل أب يحتفظ بمفتاح لا يعرف متى سيستخدمه؛ لعلّ العودة لا تطول، ولعلّ أبواب البيوت التي أُغلقت على عجل تُفتح مجددًا.

ولعلّنا نسمع يومًا تلك الأسئلة البسيطة من جديد: من سينظّف البيت؟ من سيشتري الأغراض؟ من سيفرش السجاد ويعزل النوافذ؟ أسئلة عادية، لكنها في حياة من حُرموا بيوتهم تشبه أحلامًا كبيرة.

فليس هناك ما هو أكثر وجعًا من أن يشتاق الإنسان إلى تنظيف بيته، وأن يصبح ترتيب غرفته أمنية، وأن يتمنى فقط أن يعود إلى المكان الذي لم يكن يتخيّل يومًا أنه سيُحرم منه.

البيوت لا تفقد أصحابها وحدهم؛ أصحابها أيضًا يتركون فيها أجزاءً من أرواحهم. وربما لهذا السبب، مهما ابتعدوا، يظلون يفكرون في العودة، لا لأنهم يشتاقون إلى الجدران، بل لأن هناك حياةً كاملة تنتظرهم خلف ذلك الباب.