شبكة قدس الإخبارية - 10/31/2026 8:02:59 PM - GMT (+2 )
ما وراء «ما خفي أعظم».. رسائل تتجاوز التوثيق
بين طيات تحقيق «ما خفي أعظم» الذي بثته قناة الجزيرة مساء أمس، تستوقف المرء رسائل ودلالات تتجاوز أهمية التوثيق وكشف التفاصيل، لتفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة القرار، وأهداف العملية، وطريقة تفكير القيادة، وما تكشفه الشهادات عن العلاقات داخلها.
أولًا: لم يكن القرار فرديًا
لسنوات، أصرّ كثيرون، بدوافع سياسية، على أن قرار عملية السابع من أكتوبر كان قرارًا فرديًا اتخذه يحيى السنوار وحده. وكنا نقول إن هذا الطرح يصعب استيعابه منطقيًا وتاريخيًا، ويتعارض مع طبيعة التنظيمات وآليات التخطيط للعمليات العسكرية الكبرى؛ فشخصية بحجم محمد الضيف، بما يمثله من ثقل وموقع داخل البنية العسكرية، لا يمكن تجاوز حضوره عند الحديث عن قرار بهذا الحجم.
اليوم، يقدّم التحقيق صورة توحي بأن القرار كان أوسع من ذلك بكثير، وأنه خضع للنقاش والتخطيط على مستوى القيادة العسكرية في قطاع غزة، ولم يكن قرارًا فرديًا أو محصورًا في دائرة ضيقة كما حاول البعض تصويره. أما مدى اطلاع القيادات الأخرى، خصوصًا في الخارج، ومشاركتها في النقاش، فذلك ملف آخر يستحق البحث، ولا يمكن حسمه من دون معطيات واضحة.
ثانيًا: بين الهدف المرسوم وما جرى على الأرض
وفق ما عرضه التحقيق، تمثّل الهدف الأساسي للعملية في القضاء على فرقة غزة، فيما جاء أسر أكبر عدد ممكن من الجنود هدفًا إضافيًا مرتبطًا بملف التبادل. وإذا صحّ هذا الفهم، فإنه يشير إلى أن الخطة الأصلية كانت أكثر تحديدًا مما توحي به بعض القراءات اللاحقة.
لكن ما خُطّط له شيء، وما جرى على الأرض شيء آخر. فقد شهدت الساعات الأولى انهيارًا في منظومة الاحتلال العسكرية والأمنية في المنطقة المستهدفة، بالتزامن مع اتساع نطاق الأحداث وتداخل أطراف متعددة فيها، من مدنيين وفصائل أخرى وبعض العناصر الفلسطينية المسلحة. ومن هنا، يصبح من الضروري التمييز بين الأهداف الموضوعة مسبقًا وبين مسار الأحداث بعد بدء العملية، من دون القفز إلى استنتاجات لا تسندها الأدلة.
أما افتراض أن الخطة عُدّلت بصورة جوهرية بعد تطورات الساعات الأولى، فيبقى احتمالًا يحتاج إلى أدلة إضافية، ولا يكفي وحده لتفسير ما جرى.
وفي السياق نفسه، يمكن فهم خطاب محمد الضيف يوم العملية بوصفه خطابًا للتحفيز والتعبئة في لحظة استثنائية، وليس بالضرورة إعلانًا بأن العملية كانت معركة نهائية لتحرير فلسطين أو عملية تحرير شاملة بالمعنى الذي حمّلها إياه بعضهم لاحقًا.
ثالثًا: قرار مرتبط بأهداف محددة
من أبرز ما يلفت الانتباه في الوثائق، بحسب ما عرضه التحقيق، أن العملية كان من الممكن إلغاؤها، لا مجرد تأجيلها، إذا توقفت الانتهاكات المتعلقة بالمسجد الأقصى والأسرى.
هذه النقطة، إن عكست بدقة ما كان مطروحًا في النقاشات الداخلية، تحمل دلالة مهمة؛ فهي تشير إلى ارتباط القرار بأهداف محددة، وإلى أن اتخاذه لم يكن بالضرورة منفصلًا عن التطورات السياسية والميدانية التي أحاطت بالقضية الفلسطينية.
كما تطرح سؤالًا حول طبيعة العلاقة بين الاعتبارات السياسية والحسابات العسكرية في صياغة القرار، ومدى حضور كل منهما في تحديد توقيت العملية وأهدافها.
رابعًا: توقّع الرد لا يعني توقّع كل ما حدث
تحدّثت الوثائق، وفق ما ورد في التحقيق، عن توقع ردّ كبير وعنيف من الاحتلال، وعن ضرورة اتخاذ إجراءات للاستعداد له. وهذا يعني أن احتمال الرد العسكري الواسع لم يكن غائبًا عن الحسابات، وهو ما يستدعي قراءة الخطط والاستعدادات في ضوء هذه التوقعات.
لكن توقع رد عنيف لا يعني بالضرورة توقّع حرب الإبادة بالشكل الذي شهدته غزة، ولا يثبت أن حجم الدمار والخسائر التي وقعت كان متوقعًا بالتفاصيل نفسها.
هنا تحديدًا، ينبغي الحذر من محاكمة القرارات السابقة بمعرفة النتائج اللاحقة، وكأن كل ما حدث كان واضحًا منذ البداية. فالحكم بأثر رجعي قد يتحول إلى ادعاء بالحكمة بعد وقوع الأحداث، أو إلى أداة في المناكفات السياسية، أو إلى رد فعل عاطفي مفهوم في ظل المأساة الإنسانية الهائلة التي عاشها أهل غزة.
ولا يعني ذلك إعفاء أصحاب القرار من المساءلة أو إغلاق باب النقد، بل يعني ضرورة التمييز بين ما كان معلومًا وقت اتخاذ القرار، وما تكشّف لاحقًا، وما يمكن إثباته من الوثائق والشهادات.
خامسًا: أسئلة تقنية تفتحها الشهادات
تثير الإشارات الواردة في التحقيق بشأن تجربة قاذفات «الياسين» على دبابة «الميركافا» أسئلة تقنية تستحق البحث، خصوصًا فيما يتعلق بتقدير القدرة التدميرية للسلاح، ومدى تأثير نوع الذخيرة وظروف الاستهداف وطبيعة تجهيزات الدبابة في النتيجة.
هل كانت التقديرات الأولية لفاعلية القاذفات مختلفة؟ وهل طرأت تغييرات على تجهيزات الدبابات المستهدفة؟ أم أن اختلاف النتائج يعود إلى عوامل أخرى تتعلق بظروف كل استهداف؟
هذه أسئلة لا يمكن حسمها بالانطباعات وحدها، بل تحتاج إلى معلومات فنية موثقة ومقارنة دقيقة بين الحالات المختلفة. فنتائج استهداف الآليات العسكرية لا تتوقف على السلاح المستخدم وحده، وإنما تتأثر بعوامل متعددة، ولا يصح بناء استنتاج شامل على مشاهد أو حالات محدودة.
سادسًا: ما تكشفه العلاقات داخل القيادة
من الدلالات التي تستحق التوقف عندها أيضًا، طبيعة تعامل قيادات مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار مع محمد الضيف، وطريقة حديثهم عنه وما أظهروه من احترام وتقدير له.
لا يمكن اختزال هذه العلاقة في الموقع التنظيمي وحده؛ فالتاريخ المشترك، والتجربة، والتضحيات، والثقة المتبادلة، كلها عناصر قد تسهم في تشكيل العلاقات داخل القيادات. كما أن ما ظهر في الشهادات يفتح المجال لقراءة جوانب إنسانية تتعلق بالتواضع والتقدير المتبادل، والشعور بوحدة الهدف رغم اختلاف المواقع والمسؤوليات.
ومع ذلك، تبقى الشهادات المصوّرة جزءًا من الصورة، ولا تكفي وحدها للحكم على جميع تفاصيل العلاقات الداخلية أو طبيعة الخلافات والنقاشات التي ربما دارت خلف الأبواب المغلقة.
سابعًا: من قال إن الرجال لا يبكون؟
لعل أكثر اللحظات إنسانية هي تلك التي تكشف أن خلف المواقع والألقاب والقرارات رجالًا يحملون مشاعرهم، مهما حاولوا إخفاءها أو تأجيل التعبير عنها.
من قال إن الرجال لا يبكون؟ ربما لا يفعلون ذلك أمام الجميع، وربما يختارون متى وأين وكيف يبكون، وما الذي يستدعي دموعهم. لكن الدموع، حين تظهر، تذكّرنا بأن التاريخ لا تصنعه القرارات وحدها، بل يصنعه بشر لهم ذاكرتهم ومخاوفهم وعلاقاتهم وخساراتهم.
في النهاية، لا تكمن أهمية «ما خفي أعظم» في كشف تفاصيل لم تكن معروفة فحسب، بل في فتح أسئلة جديدة حول صناعة القرار، وحدود المعرفة المسبقة، والفارق بين الأهداف المعلنة والنتائج التي تفرضها الأحداث، والعلاقة المعقدة بين الحسابات العسكرية والتداعيات الإنسانية.
وتبقى قراءة هذه الشهادات بحاجة إلى التوثيق والمقارنة والتدقيق، بعيدًا عن التوظيف السياسي المسبق أو الأحكام التي تصنعها النتائج وحدها.
رحم الله الشهداء جميعًا، وكان الله في عون أهلنا في غزة، الذين دفعوا الثمن الأكبر من دمائهم وبيوتهم وأمانهم وأحلامهم.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


