خاص| الخليل بين فكّي كمّاشة: حصار من الغرب واستيطان يتوسع من الشرق
شبكة قدس الإخبارية -

خاص قدس الإخبارية: على وقع الأغاني العبرية، احتفل عشرات المستوطنين، عصر الجمعة الماضية، في ساحة عين عسكر، عند مدخل البلدة القديمة وسط مدينة الخليل، ابتهاجًا بإقامة مستوطنة جديدة على أسطح محلات تجارية في شارع الشلالة القديم، الذي يُعدّ ممرّ العبور بين وسط المدينة، وتحديدًا منطقة باب الزاوية، والبلدة القديمة وصولًا إلى الحرم الإبراهيمي الشريف.

وكان المستوطنون، صباح الخميس الماضي (29 أكتوبر/تشرين الأول)، برفقة عناصر من الإدارة المدنية وقوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي، قد اقتحموا ساحة عين عسكر، وأجبروا أصحاب المحال التجارية على إغلاقها، واعتلوا أسطح محلات أخرى في شارع الشلالة المحاذي للساحة، ونصبوا عليها عددًا من البيوت المتنقلة، لتُقام بذلك بؤرة استيطانية تُعدّ الأخطر من حيث موقعها داخل مدينة الخليل. ويحاكي الاستيطان في المدينة مشهد التهويد في القدس، إذ لا تفصل بين المستوطنات المحمية بكل إمكانات جيش الاحتلال والأحياء الفلسطينية المحاذية للحرم الإبراهيمي حدود واضحة، فيما يعيش نحو 8 آلاف فلسطيني داخل منازل تفصل بينها قرابة 120 عائقًا حركيًا أقامها الاحتلال.

وتكتسب المستوطنة الجديدة خطورتها من موقعها باتجاه الطريق الغربية المؤدية إلى الحرم الإبراهيمي، وهي الطريق الوحيدة التي تربط بشكل أساسي بين أحياء المدينة والحرم منذ أكتوبر/تشرين أول 2023، فضلًا عن أنها لا تقع داخل جدار فاصل أو خلف أسلاك شائكة، بل تتوسط أحياء ومحلات فلسطينية، في منطقة لم تشهد توسعًا استيطانيًا طوال سنوات الوجود الاحتلالي في الخليل.

ويرى رئيس لجنة تجار البلدة القديمة، بدر الداعور، في حديث مع شبكة قدس الإخبارية، أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة يتمثل في إحلال وجود استيطاني يهودي على حساب السكان الأصليين، عبر محاصرتهم بالبوابات الحديدية والنقاط العسكرية بذريعة حماية المستوطنة الجديدة، وخلق بيئة طاردة للسكان والوافدين إلى البلدة القديمة.

جذور الاستيطان في عين عسكر

ويعود الداعور إلى أبريل/نيسان 2023، حين أخطر الاحتلال مبنى المنجرة وسط ساحة عين عسكر، قبل أن يتبع ذلك، مطلع مايو/أيار من العام نفسه، إغلاق مبنى بلدية الخليل التاريخي الملاصق للمنجرة، والذي أُغلق باللحام الحديدي في مايو/أيار 2024. ويرى أن هذه الخطوات كانت مؤشرات إلى مخططات إسرائيلية توسعية، لم تتحرك المؤسسات الرسمية الفلسطينية لمواجهتها بشكل فاعل.

وفي منتصف العام الماضي، وتحديدًا في 20 يوليو/تموز 2025، استولى المستوطنون، بحماية جيش الاحتلال، على مبنى المنجرة، الذي يبعد أقل من 100 متر عن البؤرة الجديدة التي أُقيمت الجمعة الماضية. وقبل نحو ستة أشهر، في 20 مايو/أيار من العام الجاري، أقام الاحتلال برجًا عسكريًا على سطح مبنى بلدية الخليل، وأحاطه بالأسلاك الشائكة، كما نصب بوابة صفراء عند مدخل شارع عين عسكر.

ويوضح الداعور أن الأحداث تلاحقت بوتيرة متسارعة، ففي يوليو/تموز من العام الجاري، حوّل المستوطنون مبنى "المنجرة" إلى معهد ديني، ليصبح لهم موطئ قدم دائم في المنطقة، ورفعوا على جداره شعار "شعب إسرائيل حيّ".

ومنذ ذلك الحين، طرأ تحول على مسار الجولات الأسبوعية للمستوطنين، إذ بات مبنى المنجرة مقصدًا لهم، ومحطة تحظى بحماية جيش الاحتلال، الذي يحاصر المنطقة بثلاث نقاط عسكرية من جهاتها الشمالية والجنوبية والشرقية، تفصل بينها مسافات تقل عن 50 مترًا.

وعلى امتداد هذه المراحل، لم تظهر ردود فعل ميدانية أو شعبية أو جماهيرية ترفض التهويد الجاري، وفق الداعور، وهو ما شجّع المستوطنين على التوسع غربًا باتجاه شارع الشلالة، وسط الأحياء والمنازل الفلسطينية. لكن هذا التوسع سبقه عمل الاحتلال على تهيئة الظروف من خلال تشديد الحصار على المنطقة؛ إذ نصب ثلاث بوابات عسكرية جديدة فيها في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لتضاف إلى البوابة التي أقامها قبل أشهر، وبذلك أصبح الوصول إلى المنطقة بالمركبات ممنوعًا، فيما قُيّد الوصول إليها سيرًا على الأقدام، وتحولت ساحة عين عسكر إلى موقع للاحتفالات الاستيطانية خلال الأعياد اليهودية.

وبذلك، أصبحت المنطقة محاصرة بأربع بوابات عسكرية؛ إذ أُغلق الطريق المؤدي إلى البلدة القديمة من الناحية الشمالية، المعروف بطريق الزاهد، ببوابة عسكرية، وكذلك طريق شارع الشلالة من الناحية الغربية، الذي يتفرع إلى طريقين، وُضعت بوابة عند نهاية كل منهما، فيما نُصبت بوابة أخرى عند مدخل عين عسكر، ولا تفصل بين هذه البوابات سوى بضعة أمتار. أما من الناحية الجنوبية لساحة عين عسكر، فتقع مستوطنة قائمة منذ عام 1983، أُغلق الطريق المؤدي إليها ببوابة عسكرية.

ويقول الداعور، الذي يملك محلًا تجاريًا في المنطقة أسفل مبنى المنجرة، إن المستوطنين يترددون باستمرار إلى المنطقة حاملين خرائط ومخططات هندسية. ويضيف: "أصبحنا نعيش في سجن (...) نسمع شعارات عن تعزيز الصمود، ولكننا متروكون وحدنا".

منذ متى بدأ التحضير للمستوطنة الجديدة؟

وجاء التراخي والتقصير في ردود الفعل الفلسطينية ليكرّسا واقع إقامة مستوطنة جديدة على أسطح المحلات التجارية في المنطقة، في سابقة من نوعها، تتمثل في إقامة معهد ديني إلى جانب مستوطنة تعتلي أسطح مبانٍ فلسطينية. ويعود الداعور إلى 11 يونيو/حزيران الماضي، حين اقتحم المستوطنون أرضًا في شارع الشلالة تبلغ مساحتها نصف دونم، في مشهد لم يكن مألوفًا، إذ لم تكن الاقتحامات تصل إلى هذا الطريق من قبل.

ويقول الداعور إن الاقتحامات تكررت وتصاعدت في 31 أغسطس/آب الماضي، حين اقتحمت آليات الاحتلال العسكرية الأرض وجرفت ما فيها من أشجار تاريخية وسلاسل حجرية، ثم نصبت كاميرات مراقبة وأعلامًا إسرائيلية وقواعد حديدية، ومدّت خطوط المياه والكهرباء. ومنذ ذلك الحين، اقتحم المستوطنون الموقع نحو ثلاث مرات خلال أعيادهم، وأقاموا فيه احتفالات رددوا خلالها شعارات عنصرية ضد الفلسطينيين.

ويكرر الداعور: "حذّرنا في تلك المرحلة جميع المؤسسات الرسمية الفلسطينية من أن المنطقة مقبلة على مرحلة خطيرة، وأن ثمة محلات تجارية مغلقة بسبب الظروف الاقتصادية، لكن يجب فتحها وإحياؤها في المنطقة، ولكن لا حياة لمن تنادي (...) تفاجأنا قبل أيام بوضع البيوت المتنقلة فوق هذه المحلات بشكل سريع، ودون أي ردود فعل".

ويؤكد الداعور أن المستوطنة اعتلت أسطح ستة محلات تجارية، يعمل اثنان منها في بيع منتجات الألبان، فيما كان أحدها مخيطة، وأربعة محلات مغلقة، مشيرًا إلى أن نحو عشرة منازل فلسطينية تحاذي هذه المحلات، وباتت تعيش تحت وطأة التوسع الاستيطاني.

أين دور المؤسسات؟

وترتبط خطورة المرحلة الحالية، وفق عضو المجلس البلدي في الخليل معمّر العويوي، في حديث مع شبكة قدس الإخبارية، بامتداد الاستيطان في المدينة بشكل صامت من جهة، وبما يصفه بتقبّل مجتمعي ومؤسساتي للأمر الواقع من جهة أخرى.

ويضيف: "نحن نتابع الاستيطان من خلال الدائرة القانونية ورفع الشكاوى لدى محاكم الاحتلال وجهاز الشرطة الإسرائيلية، ولكن في العموم، ثمة تقصير من جميع مؤسسات المدينة بحق البلدة القديمة، وخاصة في تقبّل الأمر الواقع الذي يفرضه الاحتلال".

ويتابع أن "المطلوب من مؤسسات المحافظة جميعها أن تفعّل خطة لمواجهة تهويد البلدة القديمة، عبر تكثيف الوجود الفلسطيني الذي يواجه مرحلة تفريغ وطرد إسرائيلي (...) عندما يكون هناك وجود فلسطيني وحركة بشرية وحركة تجارية وتجار ومواصلات في هذه المنطقة، لا يستطيع الاحتلال أن يتقدم بهذه الإجراءات الاستيطانية".

ويستدرك قائلًا: "لا يمكن لبلدية الخليل وحدها أن تقوم بتنشيط البلدة القديمة. هذا جهد يجب أن تتشارك فيه جميع المؤسسات وكافة الدوائر الرسمية، المطلوب منها أن تتكاتف وتضع برنامجًا وخطة وطنية متكاملة لتعزيز الوجود الفلسطيني في هذه المنطقة".

ويشير العويوي إلى أن المدينة، التي تشهد توسعًا استيطانيًا في أحيائها الشرقية، تواجه حصارًا مستمرًا لأحيائها الغربية منذ 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقد تسبّب ذلك في تهجير أكثر من 3300 مواطن وإلحاق أضرار بهم. وفي موازاة ذلك، يصف الدعم الذي يصل البلدية من الحكومة الفلسطينية بأنه دون المستوى المطلوب.

وكان مجلس الوزراء الفلسطيني قد أقرّ، خلال جلسته في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، دعمًا طارئًا لمدينة الخليل بقيمة 1.5 مليون شيكل. ويعلّق العويوي: "الدعم الحكومي للخليل في هذه الظروف بالتأكيد غير كافٍ. عندما نتحدث عن مدينة مثل الخليل تتعرض لهجمة غير مسبوقة وحصار من كل الاتجاهات، في مداخلها ومخارجها وأحيائها التاريخية الواقعة وسط المدينة، وتتعرّض لضرب عصبها الاقتصادي، فإن الدعم الذي كان يجب أن يصل المدينة لا يقل عن 6 ملايين شيكل".

ويبيّن أن الخليل تكبّدت، منذ بداية الحصار المفروض على أحيائها الغربية، أضرارًا وخسائر لا تقل عن 6 ملايين شيكل، بدءًا من تدمير البنية التحتية عند مدخل فرش الهوى شمال غربي المدينة، مرورًا بالأحياء المحاصرة في عين دير بحّة والجلدة غربًا، وصولًا إلى استنفار جميع طواقم البلدية للتعامل مع الحصار الحالي وتقديم الخدمات المجانية. ويرى أن الدعم الحكومي كان يفترض أن يكون أكبر، لا سيما أن مشهد التكافل الاجتماعي في الخليل أعفى الحكومة الفلسطينية من تحمّل تكاليف إيواء العائلات النازحة، التي يزيد عددها على 530 عائلة.