شبكة قدس الإخبارية - 11/2/2026 11:54:06 AM - GMT (+2 )
جاء "تصريح بلفور" الصادر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917 ونصه:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنها أن ينقص من الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، أو الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".
جاء التصريح في سياق تجسيد لانحياز استعماري سافر -مثلّثه شخص بلفور- لتوطين المشروع الصهيوني في فلسطين، وسط تضليل متعمد في استخدام المصطلحات؛ فمفردة "وطن قومي" وعبارة "للمجتمعات غير اليهودية" صُممتا لإظهار السكان الأصليين وكأنهم مجرد أقليات طارئة أو عابرة على هذه الأرض، وتغييب حقيقة أنهم أصحاب البلاد الشرعيون بنسبة تجاوزت 92% من السكان.
و كان نقطة الانطلاق الكبرى لمسار طويل من "هندسة المراكمة وصولًا إلى التمكين"؛ مسار مدروس تحولت فيه الخطوات الصغيرة والمتتالية على مدار عقود إلى واقع استيطاني مفروض على الشعب الفلسطيني
يُعدّ وعد بلفور باطلًا قانونيًا وتاريخيًا من أساسه؛ فقد صدر عمن لا يملك (إذ لم تكن بريطانيا قد احتلت فلسطين أو امتلكت سيادتها وقت إصداره عام 1917) لمن لا يستحق، وشكّل انتهاكًا صارخًا لحق الشعب الفلسطيني الأصلي في تقرير مصيره. غير أن المشروع الاستعماري لم يقف عند حدود النص، بل انخرط في عملية مراكمة قانونية ودولية مزدوجة؛ حيث هندست بريطانيا الجريمة كـ "طرف منحاز"، ثم انتزعت "صك الانتداب" من عصبة الأمم لتنصب نفسها حاكمًا مطلقًا على الأرض. هكذا تحول الوعد من رسالة سياسية إلى بند انتدابي ثم إلى غطاء أممي عبر قرار التقسيم، لتشرعن القوى الاستعمارية باطلًا تلو باطل.
لم تكتفِ بريطانيا بإصدار الوعد، بل عملت عمليًا على تحويل فلسطين إلى "جسر عبور" لخدمة المشروع الصهيوني القائم على عقيدة الاستيطان الإحلالي؛ الهادفة إلى اقتلاع المجتمع الأصلي وإبداله تدريجيًا. واستغلت الحركة الصهيونية سنوات الانتداب لتطبيق استراتيجية "المراكمة" على عدة مستويات:
الدور البريطاني: وفّرت سلطات الانتداب البريطاني الغطاء القانوني والعسكري لتسهيل هذه الهجرة عبر فتح باب الهجرة وتخصيص كوتا (حصص سنوية) للمهاجرين، وحمايتهم عسكرياً في مواجهة الثورات والاحتجاجات الفلسطينية الرافضة للتحول الديموغرافي (مثل ثورة 1936-1939).
فالمراكمة الديموغرافية: النسب الديموغرافية: في عام 1914 (قبيل الحرب العالمية الأولى ووعد بلفور عام 1917) كان عدد اليهود في فلسطين نحو 60 ألفاً من أصل 690 ألف نسمة، أي ما يعادل حوالي 8% فقط. وعشية النكبة عام 1948، تضاعف عددهم بفعل موجات الهجرة المتعاقبة ليصل إلى حوالي 625 ألفاً من بين أكثر من مليوني نسمة، أي ما يزيد عن 31% من إجمالي سكان فلسطين.
أما التمكين المؤسسي والإداري: عبر تعيين شخصيات مثل المندوب السامي "هربرت صموئيل" الذي سنّ القوانين التي تخدم الاستيطان، وتأسيس كيان موازٍ لجسد المجتمع الفلسطيني من مؤسسات اقتصادية كالوكالة اليهودية، ومستوطنات مسلحة.
هذا ولم تقتصر الاستعدادات الصهيونية على البعدين العسكري والديموغرافي، بل انخرطت الحركة الصهيونية خلال حقبة الانتداب في بناء منظومة مجتمع مدني واقتصادية متكاملة وموازية لجسد المجتمع الفلسطيني؛ لتعمل بمثابة "دولة ظل" جاهزة للتمكين. وتجسد ذلك عبر تأسيس الوكالة اليهودية كجهة شبه حكومية لإدارة شؤون الاستيطان والتفاوض، وإنشاء أذرع مالية واقتصادية كبرى مثل الصندوق القومي اليهودي (كيرن كايميت – KKL) والصندوق الأساسي (كيرن هيسود) المخصصين لشراء الأراضي ووقفها لصالح الاستيطان، إضافة إلى بنك أنجلو-فلسطين (بنك لئومي لاحقًا) لتمويل المشاريع. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد ليشمل اتحاد العمال (الهستدروت) الذي احتكر الإنتاج ومنع العمل العربي، وصولًا إلى شبكات الرعاية والتعليم المستقلة كمنظمة "فيتسو" وشبكات الصحة، لتتراكم هذه الأدوات المدنية وتؤسس لبنية كيان كامل ومستقل على الأرض قبل عام 1948.
ناهيك عن تواطؤ الصمت الدولي: غض المنظومة الدولية البصر عن هذه المراكمة الممنهجة، مما جعل الخطيئة تباعًا مسؤولية كبرى تتحملها القوى الكبرى التي تواطأت مع هذا التمكين.
إنّ تلك الخطوات المتراكمة لم تكن سوى أدوات هندسية دقيقة صُممت خصيصًا لنقل المشروع الصهيوني من مرحلة "الرعاية والحماية البريطانية" إلى مرحلة التمكين الفعلي على الأرض عام 1948؛ وما النكبة سوى تتويج لهذا المسار وتعميق له عبر مراكمة مستمرة للتهجير، وسلب الأراضي، وتدمير الجغرافيا حتى يومنا هذا.
وفي الختام:
إن قراءة وعد بلفور بمنظور "هندسة المراكمة وصولًا إلى التمكين" تكشف أن الاستعمار لا ينجح بضربة واحدة بل بخطوات تتراكب تدريجيًا. وفي المقابل، فإن أكثر ما يحتاجه الشعب الفلسطيني في هذا الوقت تحديدًا مراكمة الصمود، والوعي، والذاكرة الجمعية، ومأسسة العمل الجماهيري وتأسيس نقابات عمالية والاحتفاظ بالسردية الفلسطينية عبر الأجيال، واثقين بأن كل بناء قام على الباطل والتراكم الاستعماري مصيره التصدع والانهيار أمام إرادة أصحاب الأرض الأصليين.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


