شبكة قدس الإخبارية - 11/2/2026 8:42:59 PM - GMT (+2 )
غزة- خاص شبكة قدس الإخبارية: لم تكن الطفلة حلا الشواف (12 عامًا) تتخيل أن تتحول لعبتها المفضلة من نشاط يومي تمارسه مع صديقاتها إلى أمنية تلاحقها من سرير المستشفى؛ فبعدما أصابتها رصاصة أطلقها جيش الاحتلال في رقبتها، يوم 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وألحقت أضرارًا بالحبل الشوكي، وجدت نفسها مصابة بشلل نصفي، فيما بات حلمها الأكبر أن تستعيد قدرتها على المشي.
على سرير المستشفى، لا تكف حلا عن سؤال والدها والطواقم الطبية: «متى سأمشي؟»، في محاولة لفهم ما طرأ على حياتها خلال لحظات، بعدما كانت تتحرك بحرية وتحلم بأن تصبح رسامة ومهندسة.
في يوم إصابتها، استيقظت حلا وعائلتها على أصوات إطلاق نار كثيف من آليات جيش الاحتلال استهدفت مدينة حمد في خان يونس، جنوبي قطاع غزة، حيث تقيم العائلة في مخيم للنزوح. وعلى مدار أكثر من نصف ساعة، اضطر أفراد الأسرة إلى الاحتماء داخل مكانهم، دون أن توفر الخيام والشقق حماية من الرصاص الذي كان يستهدف المنطقة.
وسط تلك الأجواء، أصابت إحدى الرصاصات رقبة حلا، فسقطت أرضًا والدماء تنزف منها.
لحظات مرعبة
يروي والدها، الذي يلازمها في المستشفى منذ إصابتها، لـ«شبكة قدس» تفاصيل اللحظات الأولى، قائلًا: «من شدة إطلاق الرصاص اتخذنا وضعية النوم، وكان إطلاق النار مرعبًا ومتواصلًا. شعرت بصوت قريب، فنظرت إلى حلا ووجدتها لا تتحرك والدماء تنزف من رقبتها. حملتها وخرجت بها، وأوقفت سيارة، بعدما كنت قد اتصلت بالإسعاف، الذي وصل إلى المكان ونقلنا إلى مستشفى ناصر».
وأظهرت الفحوصات الطبية وجود دماء في الرئة اليمنى وإصابة في العمود الفقري، أدت إلى إصابة الطفلة بشلل نصفي. ومكثت حلا ثمانية أيام في العناية المكثفة بحالة صحية صعبة، ثم ثمانية أيام أخرى في قسم الجراحة، قبل نقلها إلى مستشفى الهلال الأحمر.
لم يكن تقبّل هذا التحول سهلًا على طفلة اعتادت أن تبدأ يومها باللعب مع صديقاتها من بنات الجيران. كانت لعبة «الحبل» الأقرب إلى قلبها، تمارسها باستمرار وتجد فيها مساحة للفرح، وسط ظروف النزوح والحياة القاسية داخل الخيمة.
ويصف والدها ابنته قبل الإصابة بأنها كانت أشبه بالفراشة، تتحرك ببراءة وحيوية، وتحاول أن تصنع لنفسها لحظات من المرح بعيدًا عن أجواء الحرب.
ويقول إن حلا عانت تداعيات نفسية قاسية بعد إصابتها وفقدانها القدرة على الحركة، إذ لم تستطع النوم خلال الأسبوعين الأولين من شدة الحزن على حالتها، قبل أن تزورها فرق للدعم النفسي في محاولة لمساعدتها على التعامل مع الإصابة والتأقلم مع واقعها الجديد.
حلم المشي من جديد
في مستشفى الهلال الأحمر بخان يونس، تخضع حلا لبرنامج تأهيلي، فيما أُعدّت لها تحويلة طبية عاجلة للسفر إلى الخارج. وينقل والدها عن طبيب الأعصاب المشرف على علاجها أن حالتها تحتاج إلى سفر عاجل، نظرًا إلى محدودية الإمكانات العلاجية المتاحة في قطاع غزة، والتي لا تلبي سوى نسبة ضئيلة من احتياجاتها، وفق ما أبلغه الطبيب.
ويأمل والدها أن تتمكن ابنته من تلقي العلاج والتأهيل اللازمين خارج القطاع، بما يمنحها فرصة لاستعادة قدرتها على المشي. ويقول بحسرة: «كانت تمشي في الوقت الذي تريد، أما اليوم فأصبحت تسألني متى ستعود إلى المشي».
وبينما تستلقي حلا على سريرها، يستعيد والدها تفاصيل من شخصيتها ومواهبها قبل الإصابة، فهي تحفظ القرآن الكريم، وتحب الإنشاد والرسم، وكانت تتطلع إلى مستقبل يجمع بين الفن والهندسة.
ويضيف: «كل يوم تحدثني عن أمنيتها وتقول لي: نفسي أمشي وألعب. ومن شدة رغبتها في المشي طلبت مني أن أحمل لها لعبة من متجر الألعاب على الهاتف، لتعيش شيئًا من الواقع في عالم افتراضي».
ولم تتوقف معاناة العائلة عند إصابة حلا؛ إذ دفعتها المخاوف على بقية أطفالها إلى النزوح مجددًا، والابتعاد نحو 800 متر إضافية عن موقع إقامتها السابق في مدينة حمد، التي تبعد نحو كيلومتر ونصف عن الخط الأصفر. ويقول والدها إن والده وشقيقه ما زالا في المخيم السابق، ويحدثانه يوميًا عن استمرار إطلاق النار باتجاه خيام النازحين.
وقبل أربعة أيام، عادت حلا إلى العناية المكثفة بعد ظهور التهابات في الرئة، استدعت تدخلًا جراحيًا لسحب المياه منها، قبل أن تتحسن حالتها الصحية.
وتأتي إصابة حلا في ظل تعرض الأطفال المقيمين قرب الخط الأصفر لمخاطر إطلاق النار العشوائي وعمليات التمشيط التي تنفذها آليات جيش الاحتلال، في أوقات مختلفة من النهار والليل، ما يجعل حياتهم اليومية محفوفة بالخطر، سواء أثناء نومهم أو لعبهم أو تنقلهم.
اليوم، تقف بجوار سرير حلا حياة جديدة لم تخترها؛ كرسي متحرك قد تضطر إلى الاعتماد عليه، بينما لا تزال أحلامها معلقة باستعادة خطواتها. فلدى الطفلة أربعة إخوة، وكانت تتطلع إلى أن تصبح رسامة ومهندسة، لكن رصاصة واحدة غيّرت مسار طفولتها، وتركت والدها أمام مشهد لا يفارقه: ابنته التي كانت تركض وتلعب، باتت تنتظر أن تمشي من جديد.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


