شبكة قدس الإخبارية - 11/6/2026 6:07:58 PM - GMT (+2 )
غزة - خاص قدس الإخبارية: يتوقف صوت الحياة بمجرد أن تتعطل السماعة الطبية لذوي الإعاقة السمعية في قطاع غزة. وتتعطل مسيرة طويلة وصعبة من التأهيل في ظل شح قطع الغيار والبطاريات اللازمة لتشغيل السماعات التي يمنع الاحتلال إدخالها. يضاف إلى ذلك توقف عمليات زراعة القوقعة أو إجرائها بشكل محدود، فيما تكافح العائلات التي أجرت عمليات زراعة قوقعة قبل الحرب أو خلالها في البحث عن بطاريات
لتشغيل السماعات، أو محاولة إصلاحها بشكل متكرر.
1500 سماعة و50 عملية زراعة قوقعةوسمح الاحتلال بإدخال 1500 سماعة طبية في شهر آب/ أغسطس 2026 وزعتها شركة استيميد بدعم من مؤسسة وقف الديانة التركي بعد انتظار طويل. وفي سبتمبر/ أيلول الماضي سمح الاحتلال بقدوم جراح روسي متخصص بعملية زراعة القوقعة ووفد طبي مساعد، وأجرى 50 عملية زراعة بمستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب القطاع من خلال جمعية "من حقي أسمع" في الولايات المتحدة الأمريكية بتمويل من "الهيئة الإسلامية للتنمية والتمكين" في أمريكا، بينما تعاني العائلات كثيرا لسفر أبنائها للعلاج في الخارج.
وبسبب الحرب ارتفعت أعداد المصابين بالإعاقة السمعية من 10 آلاف مصاب قبل الحرب، إلى 45 ألفا بسبب ظروف الحرب وقوة الانفجارات وغياب الرعاية الصحية. فيما يبلغ حجم النقص الحالي في السماعات الطبية بنحو 50 ألف سماعة طبية، وأن نحو 83% من ذوي الإعاقة السمعية والبصرية فقدوا أدواتهم المساعدة. وتظهر المعطيات أن ما يقارب 35 ألف شخص في قطاع غزة يعانون من إعاقة سمعية سواء جزئية او دائمة نتيجة الحرب.
وسيم ونسرين.. لحظة سماع الأصواتيجلس الطفلان وسيم (7 سنوات) ونسرين (3 سنوات) محمد الجدبة أمام كراسي الدراسة، يردد وسيم حرف "a" بينما تشاركه شقيقته الرسم، بعد اجرائهما عملية زراعة قوقعة قبل شهر بعد فترة من الانتظار.
كانت من أكثر اللحظات تأثيرًا وفرحًا في رحلة الطفلين وسيم ونسرين لحظة سماعهما الأصوات للمرة الأولى، بعد تشغيل القوقعة السمعية، إذ كانت لحظة مليئة بالمشاعر، بعد إجرائهما عملية زراعة للقوقعة.
في تلك اللحظة عبّر وسيم عن دهشته وفرحته بالضحك أثناء سماعه الصوت، وبدأ يركز وينظر باتجاه مصدر الصوت، وكأنه يحاول اكتشاف العالم الجديد. أما شقيقته نسرين، فكانت ردة فعلها مختلفة ومؤثرة، إذ بدأت بالبكاء فور سماعها الأصوات.
فتحول تشغيل القوقعة إلى بداية عالم جديد للطفلين بعيدا عن العالم الصامت الذي أجبرتهم الظروف لعيشه، ليدخلا عالما مليئا بالأصوات والتواصل والأمل، وكان ذلك بمثابة ولادة أمل جديد بعد سنوات من القلق والمعاناة.
وبدأت معاناة الطفلين الشقيقين وسيم ونسرين منذ ولادتهما، إذ وُلدا وهما يعانيان من إعاقة سمعية، ما جعلهما يواجهان تحديات كبيرة منذ سنواتهما الأولى. وكان وسيم متعلقا بوالده وبعد فقدانه خلال الحرب، زادت المضاعفات النفسية التي أثرت على استجابته للتأهيل السمعي، إذ كان والده يتمنى أيضا أن يسمع صوت الطفل.
وتلخص أمهما في حديثها لـ "شبكة قدس" معاناتها في البحث عن ما يساعد طفلاها واصفة ذلك بأنها "رحلة طويلة من المعاناة وصعبة في ظل الحرب الطاحنة". فقد عاش الطفلان سنوات من الحرمان والجوع والنزوح والقتل، والأهم من ذلك عدم توفر المعينات السمعية، التي منع الاحتلال إدخالها لفترة طويلة، ما أثر سلبًا على صحتهما النفسية والجسدية، وامتدت المعاناة إلى الجانب الاجتماعي، إذ صعّبت ظروفهما اندماجهما في المجتمع، وشكلت عبئًا نفسيًا كبيرًا عليهما.
رغم ذلك لم تقطع الجدبة الأمل بأن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه طفلانا سماع الأصوات والتواصل مع العالم. وفي أحد الأيام، تلقت اتصالًا هاتفيًا مفاجئًا يحمل خبرًا غيّر حياتهم، بإتاحة الفرصة لإجراء عملية زراعة القوقعة.
وتستحضر الجدبة تلك اللحظة قائلة: "اختلطت دموعي بالفرح، وشعرت وكأن بابًا من الأمل قد فُتح أمامنا بعد سنوات من التعب والانتظار. لم أصدق في البداية أن الحلم الذي طالما تمنيناه أصبح قريبًا من التحقيق. كانت مشاعر الفرح والخوف والقلق تتداخل في قلبي؛ فرحة لأن طفليّ سيحصلان على فرصة جديدة في الحياة، وبعد رحلة طويلة من الانتظار أصبح بإمكانهما سماع العالم. والآن، نأمل أن يخضعا للتأهيل والمتابعة، لتطوير مهاراتهما السمعية واللغوية والتعليمية".
وبترقب تنتظر والدة الطفلة جوليا زياد طباسي (3 سنوات ونصف) سماع كلمة "ماما" لأول مرة بصوت طفلتها التي أجرت مؤخرا عملية زراعة للقوقعة على يد وفد طبي روسي جاء لغزة وأجرى 50 عملية زراعة قوقعة بمستشفى ناصر بمدينة خان يونس، إذ تخضع الطفلة الآن لعملية تأهيل لكي تتمكن من مخاطبة العالم الخارجي.
وتحكي والدة الطفلة لـ "شبكة قدس": "اكتشفنا ضعف السمع لطفلتي جوليا عندما كان عمرها نحو سبعة أشهر، وبدأ سمعها يتراجع تدريجيًا. لم نتمكن من مساعدتها واكتشاف حالتها مبكرًا؛ بسبب الحرب، إذ لم نستطع إجراء فحص تخطيط السمع لها، ما أدى إلى تفاقم حالتها، واكتُشف لاحقًا أنها تعاني من فقدان سمع عميق. وركّبنا لها سماعات، لكنها لم تكن مجدية".
"انتظرت ثلاث سنوات" بتلك الجملة تختصر الأمر رحلة طويلة من المعاناة، والانتظار، والأمل والبحث عن أي شيء يساعد طفلتها، حتى تمكنت من إجراء عملية زراعة القوقعة، وتنتظر الآن برمجة الجهاز وتأهيلها، حتى ترى طفلتها تناديها باسم "ماما" وتسمع صوتها.
أكثر ما تعاني منه طباسي هو نقص البطاريات؛ لأن الجهاز سيتوقف عن العمل في حال عدم توفرها. وتتساءل: فما فائدة إجراء العملية إذا لم تتوفر مستلزماتها؟ "نعيش على الأمل فترة، ثم نعود إلى المعاناة نفسها، لذلك نناشد الجميع التدخل والمساعدة".
بطارية واحدة تفصل الطفل عن السمعوتمثل مشكلة البحث عن بطاريات إحدى أكثر المشكلات التي تواجه عائلات الأطفال ذوي الإعاقة، بسبب منع الاحتلال إدخالها، وهذا ما يعيشه والد الطفلة حياة سعود أبو سعدة (3 سنوات)، فمنذ شهرين لا يتوقف عن البحث عن بطارية أو حاضنة للبطاريات لشحنها، حتى تتمكن ابنته من مواصلة السمع والتأهيل.
وتعاني الطفلة من فقدان السمع منذ ولادتها لأسباب غير محددة. فقدت الطفلة جهاز القوقعة الخارجي خلال استهداف المنزل في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وكانت قد خضعت لعملية زراعة القوقعة قبل الحرب بأربعة أشهر، وكانت تحتاج إلى برنامج تأهيلي لمدة عامين.
بقهر وغصة كبيرة يقول والدها لـ "شبكة قدس": إن "التأهيل توقف مع اندلاع الحرب، وفقدنا الجهاز الخارجي للقوقعة، ولم تتوفر قطع الغيار اللازمة. وبعد ذلك، جرى توفير جهاز القوقعة، لكنه لم يكن مصحوبًا بالتأهيل اللازم، واستمر الوضع ستة أشهر، حتى تعطلت البطارية؛ إذ تحتاج القوقعة إلى الشحن يوميًا، كما يحتاج الجهاز الخارجي إلى وضعه يوميًا على مجفف للحفاظ على سلامته".
ويتكون الجهاز الخارجي من المعالج والبطارية والسلك والمغناطيس، وأي عطل في إحدى هذه القطع يؤدي إلى توقف عملية السمع.
وأضاف بحسرة: "قبل شهرين، وبعد حصولنا على بطارية، تعطلت مجددًا؛ لأنها بطارية متداولة بين الأطفال، وانتهى عمرها الافتراضي. كما توقف التأهيل منذ أكثر من عام. وما يؤلمني أن ابنتي عندما تبلغ سن التعليم وتحتاج إلى الالتحاق بمركز أو مؤسسة تعليمية، قد لا تجد جهة تستطيع استيعابها بسبب إعاقتها السمعية".
وأثرت الحرب بشكل كبير على الأطفال الذين أجروا عمليات زراعة قوقعة قبل اندلاعها، إذ توقفت البرامج التأهيلية التي كانوا يخضعون إليها، كحال الطفلة حلا علاء شحادة (9 سنوات) التي ولدت وهي تعاني من فقدان سمع شديد، وبدأت منذ ذلك الحين رحلة العلاج والمتابعة حتى تتمكن من السمع والكلام مثل بقية الأطفال.
يروي والدها لـ "شبكة قدس" قائلا: "دمرت الحرب كل ما بنيناه مع حلا على مدار سنوات. فقبل الحرب، وبعد زراعة القوقعة، كانت تسمع وتتعلم وتتواصل معنا وتتطور، لكن مع اندلاع الحرب توقفت المتابعة، فلم يعد هناك تأهيل أو برمجة أو اختصاصيون أو مدارس. وزاد الخوف والقصف والنزوح من توترها وعزلتها، فعادت إلى الصمت الكامل؛ لأنها لم تعد تسمع أصواتنا أو الأصوات من حولها".
وحول معاناتهم: أضاف: "نعاني من كل شيء؛ فجهاز حلا معطل منذ فترة طويلة، ولا نجد بطاريات أو كوابل أو قطع غيار للمعالج الخارجي. وحتى عندما نجدها، تكون أسعارها مرتفعة جدًا، فضلًا عن عدم توفرها في غزة وإغلاق المعابر. ولم تتدخل أي جهة لمساعدتنا في إصلاح الجهاز أو برمجته". مؤكدا، أنه كل يوم يمر على حلا من دون سمع يضيع من مستقبلها وتعليمها وطفولتها.
وتابع: "اليوم، الجهاز الخارجي معطل، ومن دون هذا الجهاز لا فائدة من زراعة القوقعة، وهذا يعني أننا عدنا إلى نقطة الصفر".
ضعف التأهيل ونقص أجهزة الفحصبدوره، أكد أخصائي التخاطب والسمع فادي الهليس أن المعاناة التي يعيشها الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية في قطاع غزة كبيرة جداً، ومن أبرزها نقص المعينات السمعية، وعدم توفر البطاريات اللازمة لتشغيلها، إضافة إلى تعطل السماعات والحاجة إلى الصيانة وقطع الغيار. وهناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي عدم توفر مراكز متخصصة بشكل كافٍ للبرمجة والفحص والصيانة والمتابعة الدورية.
وقال الهليس لـ "شبكة قدس": إن "الطفل الذي لديه فقدان سمع ويعتمد على السماعة الطبية أو زراعة القوقعة يحتاج إلى وصول مستمر ومنتظم للمعلومات السمعية حتى يتمكن من تطوير مهارات الاستماع وفهم اللغة واكتساب الكلام. عندما تتعطل السماعة أو تنفد البطاريات ولا تتوفر بدائل، ينقطع هذا المدخل السمعي، وبالتالي قد يتأثر تطور اللغة والكلام ومهارات التواصل لديه".
وأضاف، أما بالنسبة للبالغين، فإن فقدان المعينة السمعية قد يؤدي إلى صعوبة التواصل والعزلة الاجتماعية وضعف المشاركة في الحياة اليومية، معتبرا، أن إجراء 50 عملية زراعة قوقعة وتوفير 1500 سماعة طبية تدخلات مهمة لكنها لم تحل المشكلة.
وأوضح أن زراعة القوقعة تحتاج إلى برمجة مستمرة وجلسات تأهيل سمعي وتدريب على الاستماع وفهم الكلام، كما أن السماعات الطبية تحتاج إلى صيانة وبطاريات وقطع غيار ومتابعة دورية.
وهناك عدة عوامل ساهمت في زيادة مخاطر الإصابة بالمشكلات السمعية، وفق الهليس، أبرزها الانفجارات والأصوات شديدة الشدة الناتجة عن القصف، والتي قد تؤدي إلى إصابات سمعية مباشرة، مثل فقدان السمع الحسي العصبي، وطنين الأذن، وإصابات الأذن الوسطى والداخلية. كما أن الإصابات الجسدية الناتجة عن الشظايا والانفجارات قد تؤدي إلى تلف في الأذن أو المسارات العصبية المرتبطة بالسمع.
ويعتقد أن هناك حاجة إلى إجراء مسوحات سمعية شاملة، خصوصاً للأطفال والجرحى، للكشف المبكر عن الحالات وتقديم التدخل المناسب.
وعن أبرز التحديات التي تواجه الأخصائيين، أكد أن المشكلة تكمن في محدودية الأدوات المتاحة، ونقص أجهزة الفحص والتشخيص السمعي، مثل أجهزة قياس السمع والفحوصات الموضوعية. عدم توفر السماعات الطبية والبطاريات وقطع الغيار بشكل منتظم. صعوبة صيانة وبرمجة المعينات السمعية وأجهزة زراعة القوقعة. صعوبة وصول بعض المرضى إلى المراكز المتخصصة بسبب الظروف الميدانية والاقتصادية. الحاجة إلى برامج تدريب وتطوير مستمر للكوادر المتخصصة.
ولفت أن الأخصائيين يحاولون الاستفادة من الإمكانيات الموجودة، من خلال التقييم السمعي والوظيفي المتاح، والمتابعة السريرية، وتقديم الإرشاد الأسري، والتدريب على مهارات التواصل والاستماع، والتأهيل السمعي واللغوي وفق احتياجات كل حالة.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


