شبكة قدس الإخبارية - 11/7/2026 10:06:56 PM - GMT (+2 )
حوار خاص| شبكة قدس الإخبارية: تشهد ساحة الداخل الفلسطيني محاولات متواصلة تستهدف تفكيك بنيته المجتمعية والوطنية، ويبرز مشروع «الخدمة المدنية الإسرائيلية» بوصفه أحد الأدوات التي توظفها المؤسسة الإسرائيلية في هذا السياق. ولا يقتصر المشروع على إتاحة فرص للعمل التطوعي أو خدمة المجتمع، بل يتجاوز ذلك إلى مسار مؤسساتي يستهدف التأثير في وعي الشباب الفلسطيني وانتمائهم الثقافي والوطني، من خلال برامج ومضامين تسعى إلى إعادة تشكيل مفاهيم الهوية والمواطنة.
وفي ظل الإغراءات المادية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تبرز تساؤلات بشأن دوافع التحاق بعض الشباب بهذا المشروع، ومدى تأثيره في الهوية الوطنية، وما يترتب عليه من انعكاسات اجتماعية وسياسية قد تسهم في تعميق الانقسام داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.
وتُعرّف الخدمة المدنية (שירות לאומי-אזרחי) بأنها إطار تتيحه الدولة الإسرائيلية للشباب والشابات الذين لا يؤدون الخدمة العسكرية، للعمل في مؤسسات ومرافق عامة مقابل امتيازات ومخصصات معينة. وتقوم الفكرة المعلنة على إتاحة المجال أمامهم للمساهمة في خدمة المجتمع دون الالتحاق بالجيش، فيما جرى الترويج لها في المجتمع العربي باعتبارها بديلاً عن الخدمة العسكرية، وفرصة لاكتساب الخبرة المهنية والحصول على امتيازات تعليمية واقتصادية.
ولا تقتصر مجالات الخدمة على قطاعات التعليم والصحة والرفاه، بل تمتد إلى مسارات مرتبطة بالشرطة والأمن والإطفاء ومؤسسات أخرى.
لمناقشة أبعاد هذه الظاهرة، وتحليل أهدافها السياسية والاجتماعية والديموغرافية، والوقوف على البدائل المجتمعية الممكنة للحفاظ على الهوية الوطنية، أجرت شبكة قدس الإخبارية هذا الحوار مع الباحث د. محمود مصالحة.
كيف تقرأون ظاهرة الخدمة المدنية في المجتمع الفلسطيني في الداخل، وما أبرز التحولات التي طرأت على انتشارها خلال السنوات الأخيرة؟
د. محمود مصالحة:
الخدمة المدنية مشروع مؤسساتي إسرائيلي يهدف إلى تغيير الانتماء الثقافي والهوياتي لدى الشباب الفلسطيني، على المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية. ويسعى هذا المشروع إلى إدخال مفاهيم وقناعات الأسرلة، ضمن عملية احتوائية تفكيكية للمجتمع الفلسطيني في الداخل، تستهدف سلخه عن شعبه وأمته العربية والإسلامية.
ما الأهداف السياسية والاجتماعية والديموغرافية التي تسعى المؤسسة الإسرائيلية إلى تحقيقها من خلال هذه البرامج؟
د. محمود مصالحة:
تسعى المؤسسة الإسرائيلية، من خلال مشروع الخدمة المدنية، إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتكاملة:
-
على الصعيد السياسي والأمني: تسعى المؤسسة إلى إزالة ما تصفه بالخطر الذي أحدثته هبة القدس والمقدسات والمسجد الأقصى المبارك. ويتحقق ذلك، وفق هذا التوجه، عبر تغيير مفاهيم الانتماء والمواطنة والهوية الثقافية، من خلال غرس مصطلحات صهيونية ضمن دورة إلزامية تفرضها سلطة الخدمة المدنية الإسرائيلية. وينعكس هذا التغيير على توجهات الملتحق بالمشروع السياسية، إذ يصبح أكثر انسجاماً مع السياسات التي تخدم المؤسسة الإسرائيلية، نتيجة ما يتلقاه من مضامين فكرية، بما يدفعه نحو الأسرلة ويضعف ارتباطه بالموقف الجمعي للمجتمع الفلسطيني في الداخل.
-
على الصعيد الاجتماعي: تهدف البرامج والدورة الإلزامية المرتبطة بها إلى إحداث شرخ داخل المجتمع الفلسطيني، عبر تقسيمه إلى فئتين: فئة ملتحقة بالخدمة استبدلت، وفق هذا التصور، ثوابتها الفلسطينية والعربية والإسلامية بالهوية الثقافية الإسرائيلية، وفئة غير ملتحقة بها، الأمر الذي من شأنه إضعاف وحدة المجتمع وتماسكه.
-
على الصعيد الديموغرافي: تهدف الثقافة التي يتلقاها الملتحق بالخدمة، بحسب قراءتي، إلى دفعه نحو تبني أنماط ثقافية غربية تحد من معدلات الإنجاب، بما ينعكس على الخارطة الديموغرافية الفلسطينية لصالح الخارطة الديموغرافية الإسرائيلية.
كيف تؤثر الخدمة المدنية على الهوية الوطنية والانتماء لدى الشباب الفلسطيني، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجههم؟
د. محمود مصالحة:
للخدمة المدنية أثر كبير ومباشر؛ فالهوية الثقافية تنبثق أساساً من عقيدة الإنسان وثقافته التي يتلقاها في بيته ومجتمعه ومدرسته.
فالملتحق بالخدمة المدنية يخضع لدورة إلزامية تفرضها سلطة الخدمة المدنية الإسرائيلية، وتتضمن برنامجاً يهدف إلى ترسيخ مئة مصطلح صهيوني في ذهنيته خلال عام أو أكثر، وفق برنامج مُعد مسبقاً، بواقع أربعين ساعة أسبوعياً.
وتنعكس هذه المضامين على ثقافة الملتحق ومحتواه الفكري، فتؤثر في قناعاته وانتمائه الثقافي والهوياتي، وصولاً إلى تغليب الهوية الثقافية الإسرائيلية والانتماء إلى دولة الاحتلال على الهوية الثقافية الفلسطينية والانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية.
ما أبرز الدوافع التي تدفع بعض الشباب الفلسطيني إلى الالتحاق بالخدمة المدنية؟ وهل لديكم أمثلة واقعية توضح أسباب الالتحاق وتأثيره؟
د. محمود مصالحة:
تتمثل أبرز دوافع الالتحاق في الإغراءات المادية والمكتسبات المباشرة التي تقدمها المؤسسة الإسرائيلية، ومن أهمها:
-
في الجانب التعليمي الجامعي: إعفاء الملتحق بالخدمة من 80% من الرسوم الدراسية.
-
في التسهيلات السكنية: تخفيض تكلفة أراضي البناء بنسبة كبيرة للملتحقين.
-
في قطاع العمل: توفير فرص عمل للملتحقين في مؤسساتها.
وهناك مثال واقعي يعكس حجم التأثير، إذ يُقال عن أحد الملتحقين: «إن الدولة هي التي أرضعته من حليبها، فكيف لا يخدمها!».
أمام هذه المخاطر والإغراءات، كيف يمكن للمؤسسات والأطر الوطنية والمجتمعية التعامل مع هذه الظاهرة، وما المطلوب لتعزيز الوعي وبناء مسارات تطوعية بديلة؟
د. محمود مصالحة:
يتطلب التعامل مع هذا المشروع الإسرائيلي مواجهة شاملة تقوم على مجموعة من المحاور الأساسية:
-
تعزيز الوعي وتفكيك المفاهيم: يبدأ العمل بتوضيح مخاطر الخدمة المدنية وما تستهدفه من زعزعة المجتمع الفلسطيني وإحداث الانقسام بين الملتحقين بها وغير الملتحقين. ففي الوقت الذي يحصل فيه الملتحق على امتيازات ومساعدات مادية من المؤسسة الإسرائيلية، تواصل هذه المؤسسة سياساتها القائمة على هدم المنازل وتهويد المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية. ومن الضروري تفكيك المفاهيم المرتبطة بهذا المشروع، إذ إن المشكلة، من وجهة نظري، لا تتعلق بمجرد تقديم خدمة للمجتمع، بل بالدورة الإلزامية التي تتضمن غرس مئة مصطلح صهيوني، وتهدف إلى تغيير المفاهيم والقناعات الفكرية، وصولاً إلى التأثير في الانتماء والهوية الثقافية.
-
التأصيل الشرعي: إصدار بيان يوضح الحكم الشرعي من مشروع الخدمة المدنية بصيغته الإسرائيلية، ويبيّن الموقف الشرعي من الانخراط فيه.
-
البناء الهوياتي والتاريخي: تعميق الانتماء الوطني والقومي، وتعزيز الهوية الثقافية الإسلامية والعربية والوطنية الفلسطينية، إلى جانب نشر الوعي بالامتداد التاريخي والانتمائي للأمة العربية والإسلامية.
-
تقديم البديل الاقتصادي والمجتمعي: تشجيع إقامة مشروع بديل من خلال الأطر الفاعلة في الداخل الفلسطيني، تحت مسمى «الخدمة المجتمعية»، يستند إلى برامج ثقافية ووطنية. ويُمنح الملتحق بهذا المشروع شهادة تؤهله للحصول على منحة دراسية تُموّل من خلال صندوق وطني، بما يساعده لاحقاً على الاندماج في سوق العمل والمؤسسات داخل المجتمع الفلسطيني، وتعزيز فرص العمل المشترك ضمن شركات رجال الأعمال.
وفي ختام الحوار، تبرز أهمية التعامل مع ملف الخدمة المدنية من زاويتين متكاملتين: حماية الهوية الوطنية وتعزيز قدرة الشباب على مواجهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تدفعهم إلى الالتحاق بها. وبين التوعية بمضامين المشروع وتوفير البدائل التعليمية والاقتصادية، تبقى مسؤولية المؤسسات والأطر المجتمعية في بناء مسارات تستجيب لاحتياجات الشباب وتحافظ على ارتباطهم بهويتهم الوطنية والثقافية.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


